اتهامات جديدة لصناعة الذكاء الاصطناعي بتغذية الصراع في الكونغو عبر تهريب الكولتان

وجهت منظمة “غلوبال ويتنس” اتهامات جديدة إلى قطاعي الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات، تربط بين التوسع المتسارع في هذه الصناعات وتهريب معدن الكولتان من جمهورية الكونغو الديمقراطية، في تقرير نشرته الخميس يثير تساؤلات حول دور سلاسل التوريد العالمية في تأجيج الصراعات الإفريقية.
وتشير تقديرات مؤسسة “غارتنر” الصادرة في سبتمبر 2026 إلى أن صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية وقطاعات الإلكترونيات المرتبطة بها تدر نحو 2.7 تريليون دولار سنوياً، في وقت تتواصل فيه أعمال العنف في الكونغو الديمقراطية بفعل سيطرة الحركات المسلحة على مناطق إنتاج المعادن الاستراتيجية، أبرزها الكولتان، الذي يسهم في تمويل الصراع وإطالة أمده.
معادن الدم من جديد
تأتي هذه الاتهامات في سياق ظاهرة “معادن الدم” التي ارتبطت سابقاً بتجارة الألماس والذهب في سيراليون ومالي وليبيريا والسودان منذ تسعينيات القرن الماضي، لتتسع الآن لتشمل الكولتان المستخدم في الصناعات التكنولوجية الحديثة. وتواجه الشركات العالمية انتقادات متزايدة بسبب دور سلاسل التوريد في وصول موارد مستخرجة من مناطق النزاعات إلى الأسواق الدولية.
ووفقاً للتحقيقات المتعلقة بمنطقة روبايا في إقليم شمال كيفو بشرق الكونغو الديمقراطية، تدر المناجم الواقعة هناك أكثر من 9 ملايين دولار سنوياً لحركة “إم 23″، كما تسهم المنطقة بنحو 15 في المئة من إمدادات الكولتان المستخدمة في الصناعات المرتبطة بالإلكترونيات والذكاء الاصطناعي.
أهمية استراتيجية متصاعدة
يكتسب هذا الملف أهمية متزايدة مع توسع قطاعات الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات، التي أصبحت من أبرز القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية عالمياً، وترتبط بصورة مباشرة بالتنافس التكنولوجي والاقتصادي والعسكري بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. وتحتاج خوادم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى بنية إلكترونية متطورة، مما يزيد الطلب على مكثفات التنتالوم التي تتميز بكثافة الطاقة وصغر الحجم، ويُستخرج التنتالوم من معالجة خام الكولتان، ويدخل في صناعات الإلكترونيات والدفاع والطيران، بما في ذلك المكثفات المستخدمة في تنظيم الطاقة داخل الأجهزة المتقدمة وأنظمة الحوسبة عالية الأداء.
تأجيج الصراع
يؤدي تزايد الطلب العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى رفع القيمة الاقتصادية للمناطق الغنية بالكولتان، وزيادة الحوافز المالية أمام الحركات المسلحة للسيطرة عليها واستغلالها. وتنعكس هذه المعادلة على الصراع في الكونغو الديمقراطية، حيث تتحول المناجم إلى مصادر تمويل للعمليات العسكرية، فيما تسهم عائدات التعدين والضرائب في إطالة أمد المواجهات وتفاقم الأضرار البشرية والاقتصادية، في دولة تواجه أيضاً أزمات أمنية وصحية متراكمة. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، أدت الحرب المستمرة في الكونغو الديمقراطية منذ عام 1996 إلى مقتل نحو 6 ملايين شخص.
وفي تحقيق أجرته منظمة “غلوبال ويتنس”، قالت المنظمة إن الطلب العالمي المتزايد على المعادن المتنازع عليها في شرق الكونغو الديمقراطية يواصل تغذية الحرب، ويثير تساؤلات بشأن دور سلاسل التوريد العالمية في وصول هذه الموارد إلى الأسواق الدولية وشركات التكنولوجيا. وكشف التحقيق عن شراء كميات غير مسبوقة من “كولتان النزاع” المهرب من منطقة روبايا، من قبل خمس شركات على الأقل من بين أكبر سبعة مصدرين للكولتان، قبل بيعها عبر وسطاء إلى مصاهر المعادن، ومنها إلى سلاسل توريد كبرى شركات التكنولوجيا الاستهلاكية والسيارات والاتصالات.
وفي حديثها لموقع “سكاي نيوز عربية”، قالت إميلي أيونا ستيوارت، رئيسة قسم السياسات في “غلوبال ويتنس”: “النزاع في شرق الكونغو الديمقراطية يرتبط بأبعاد تتجاوز الحدود المحلية، لتصل إلى سلاسل التوريد العالمية. لعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو فشل الأنظمة الدولية المصممة لمنع دخول معادن النزاع إلى الأسواق العالمية، حيث لم تنجح أنظمة التتبع والضمانات في منع تسريب الكولتان المرتبط بالنزاعات إلى سلاسل توريد يُفترض أنها تتبع طرقاً نظيفة، كما أخفقت عمليات التدقيق التي تجريها مبادرة المعادن المسؤولة في رصد هذه المواد ضمن سلاسل توريد المصاهر”. وتابعت: “وجدنا أن الكولتان المستخرج من مناطق النزاع، والذي يُهرّب عبر الحدود من جمهورية الكونغو الديمقراطية، قد اشترته خمس شركات على الأقل من بين أكبر سبع شركات مصدرة للكولتان، ثم بيع لاحقاً عبر وسطاء إلى مصاهر دولية”.
إيرادات ضخمة للجماعات المسلحة
قدّر خبراء الأمم المتحدة أن حركة “إم 23” تجني نحو 800 ألف دولار شهرياً من الضرائب المفروضة على إنتاج الكولتان وتجارته في منطقة روبايا، بما يعادل نحو 9.6 ملايين دولار سنوياً. ولا تقتصر تداعيات تنامي الطلب على الحاجة إلى كميات أكبر من التنتالوم، بل تمتد إلى تأثيره في أسعار المعادن وقيمتها الاستراتيجية، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع الأسعار وشح المعروض إلى زيادة ربحية السيطرة على المناجم، وتعزيز جاذبية المناطق الغنية بالموارد بالنسبة إلى الجماعات المسلحة.
وتكشف سيطرة حركة “إم 23” على منطقة روبايا كيف يمكن للسيطرة المسلحة على المناطق الغنية بالمعادن أن تتحول إلى مصدر مستدام للإيرادات، وأن تؤثر في حركة التجارة المشروعة، وتتيح تسرب معادن النزاع إلى سلاسل التوريد العالمية. ومع تنافس قطاعات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والدفاع والمركبات الكهربائية على الموارد المعدنية الاستراتيجية، تتزايد الحوافز الاقتصادية للاستيلاء على الكولتان، أو فرض الضرائب على استخراجه وتجارته، أو تهريبه وغسل عائداته عبر شبكات تجارية عابرة للحدود. وينطوي ذلك على مخاطر تصاعد العنف، وتشجيع السيطرة العسكرية على مناطق التعدين، ودمج معادن النزاع بصورة أعمق في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ويحذر تقرير “غلوبال ويتنس” من أن استمرار توسع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في دفع التنافس على معدن التنتالوم، دون اتخاذ إجراءات لخفض الطلب وتحسين إعادة التدوير وفرض قواعد العناية الواجبة ومحاسبة الشركات في المراحل اللاحقة من سلاسل التوريد، قد يؤدي إلى تفاقم تداعيات الصراع في الكونغو الديمقراطية. وأوضح التقرير أن “الطلب المتزايد على الكولتان يعني مزيداً من الأموال للجماعات المسلحة، ومزيداً من الحوافز للسيطرة على المناجم، ومزيداً من عمليات غسل المعادن عبر أنظمة ضعيفة، وتوسعاً في تقنيات قائمة في جوهرها على العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية”. ودعت المنظمة إلى فرض عقوبات على الشركات التي تحقق أرباحاً من موارد النزاع، وعلى المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب تشديد تطبيق القواعد المنظمة لتجارة معادن النزاع، وزيادة الضغوط الدولية على الدول الداعمة لحركة “إم 23”.



