باب «جبه علي»… نافذة على ثمانية عشر قرناً من تاريخ إسطنبول

صدر تقرير في 18 أكتوبر 2026 وتم تحديثه في نفس اليوم عن باب «جبه علي» الواقع على ضفاف خليج القرن الذهبي في إسطنبول، والذي يُعتبر نافذة على نحو ثمانية عشر قرناً من تاريخ المدينة، من العصر الروماني مروراً بالعهد العثماني ووصولاً إلى الجمهورية التركية.
الجذور الرومانية والتطور عبر العصور
يؤكد الأكاديمي ومؤرخ الفن ياسين صايغلي أن تاريخ باب «جبه علي» يعود إلى القرن الثاني الميلادي في عهد الإمبراطور الروماني سيبتيموس سيفيروس، عندما شُيّدت الأسوار البحرية على ضفاف القرن الذهبي.
على عكس أبواب الدفاع الموجودة في الأسوار البرية، كان هذا الفتح يتيح لسكان الأحياء الداخلية الوصول إلى الميناء.
ويشير صايغلي إلى أن الباب خضع لعمليات ترميم في مراحل تاريخية مختلفة خلال العصور الرومانية والبيزنطية والعثمانية والعهد الجمهوري، ما مكّنه من البقاء حتى اليوم.
علاوة على ذلك، ورد اسم الباب في أول إحصاء سكاني أجراه السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1455.
قصص التسمية والحكايات الشعبية
بعد فتح إسطنبول، عُرف الباب باسم «جبه علي»، وتتنوع الروايات حول أصل هذا الاسم. إحدى الروايات تربطه بالقائد العثماني جبه علي الذي كان مسؤولًا عن أمن ولاية بورصة وكان من أوائل من دخلوا المدينة عند الفتح؛ ويُقال إن ضريحه أقيم بجوار الباب وشهد تغييرات عديدة على مر السنين.
الرواية الأخرى تربط الاسم بولي مصري يحمل الاسم نفسه، وقد نقلها الرحالة العثماني أوليا جلبي في القرن السابع عشر ضمن حكايات الأولياء والدراويش ومناقبهم. وفقًا لصايغلي، وصل هذا الولي إلى المنطقة مع ثلاثمائة درويش وقت الفتح وكانوا من أوائل الداخلين إلى إسطنبول، وتشابهت سيرته مع الذاكرة الشعبية للمكان.
الترسانة، الحريق والتدابير
استمرت المنطقة مرتبطة بالبحر والتجارة في العهد العثماني، وتأثرت حياتها الاقتصادية بأنشطة الترسانة العامرة الواقعة على الضفّة المقابلة من القرن الذهبي. حول الباب وجدت متاجر وورش عمل متعلقة بالسفن والأسطول، بما فيها ورش لسد الفجوات بين ألواح السفن بمواد عازلة وطلائها بالقار لحمايتها.
لأن بعض هذه الاعتمادات كانت تعتمد على النار، وانتشرت المنازل الخشبية خلف أماكن العمل وتعرض المنطقة للرياح البحرية، أصبح الحي عرضة لحرائق متكررة. يروي صايغلي أن إسطنبول شهدت حرائق كبرى كل عقد أو عشرين سنة، وأحيانًا كل خمس سنوات، وكان حريق جبه علي عام 1633 من أكبرها؛ حيث استمر ثلاثة أيام وألحق أضرارًا واسعة، ويُعتقد أنه بدأ في أحد المقاهي بسبب التبغ.
بعد هذا الحريق، أمر السلطان مراد الرابع بحظر استهلاك التبغ ومنتجات التدخين في إسطنبول. وبعد نحو مئتين وخمسين سنة، أي عام 1884، أُنشئ مصنع للتبغ بجوار نفس الموقع، ما يظهر ارتباطًا تاريخيًا متسلسلًا للقرار والحركة الصناعية اللاحقة.
الباب في الحياة الاجتماعية والثقافية
لم يقتصر دور المنطقة على التجارة فقط؛ فقد اكتسب مركز شرطة «جبه علي»، الواقع بالقرب من البوابة، مكانة في الحياة الثقافية والأدبية لإسطنبول. وعُرضت مسرحية تحت عنوان «مركز شرطة جبه علي» على مسارح المدينة بعد خمسينيات القرن العشرين.
يؤكد صايغلي أن الباب شغل موقعًا مهمًا في الحياة التجارية والاجتماعية، إذ كان أحد الممرات التي ربطت داخل المدينة بمحيطها.
ويُضيف أن إسطنبول كانت تضم عشرات الأبواب على أسوارها، سواء في العصور القديمة أو البيزنطية أو العثمانية، وكانت من أكبر مدن العالم، وبالتالي كان لهذا الباب أهمية روحية ورمزية، بالإضافة إلى كونه ممرًا للحياة اليومية واليومية.
يختتم صايغلي بالقول إن بعض أبواب المدينة أُغلقت أو غُطيت مع مرور الزمن، بينما لم تعد هناك حاجة لاستخدام أبواب أخرى، إلا أن باب «جبه علي» لا يزال قائمًا ومستخدمًا حتى اليوم.




