تخطَّ إلى المحتوى
الخميس 22 أكتوبر 202611 جمادى الأولى 1448 هـ31° صحو
الفجر 04:34 د.ك = 3.220 $
22أكتوبر2026
طبعة رقميةتُحدَّث على مدار الساعة

أخبار الكويت و الخليج و العالم

آخر الأخبار

قانون التحكيم الجديد في الكويت: هل يُحدث تغييراً جذرياً في تسوية المنازعات التجارية؟

قانون التحكيم الجديد في الكويت: هل يُحدث تغييراً جذرياً في تسوية المنازعات التجارية؟

لم تعد كفاءة البيئة القانونية للأعمال تُقاس فقط بجودة التشريعات المنظمة للاستثمار والعقود، بل أيضاً بقدرتها على حسم النزاعات التجارية خلال وقت معقول، بإجراءات واضحة، وحكم قابل للتنفيذ. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية المرسوم بقانون رقم 120 لسنة 2026 بإصدار قانون التحكيم، الذي نُشر في الجريدة الرسمية “الكويت اليوم” بتاريخ 18 أكتوبر 2026. أعاد هذا القانون تنظيم منظومة التحكيم في الكويت ضمن تشريع مستقل يضم 108 مواد، بعد أن كانت أحكامه موزعة بين قانون المرافعات المدنية والتجارية وقانون التحكيم القضائي رقم 11 لسنة 1995.

لكن أهمية القانون لا تكمن في عدد مواده، بل في الإجابة عن السؤال العملي الأهم للشركات والمستثمرين: هل أصبح في الكويت مسار أكثر سرعة ووضوحاً وفاعلية لتسوية المنازعات التجارية؟ الإجابة تستدعي قراءة القانون كمنظومة تبدأ من الاتفاق على التحكيم، مروراً بتشكيل الهيئة والتدابير العاجلة والإجراءات الرقمية، وانتهاءً بالحكم والبطلان والتنفيذ.

إطار تشريعي موحد للتحكيم

ألغى قانون الإصدار الأحكام السابقة المنظمة للتحكيم في قانون المرافعات، وكذلك القانون رقم 11 لسنة 1995، مع بقاء قانون المرافعات شريعة عامة مكملة فيما لم يرد فيه نص خاص، وبما لا يتعارض مع أحكام القانون الجديد. ويهدف هذا التحول، الذي ليس مجرد إعادة ترتيب للنصوص، إلى إخضاع دورة التحكيم – من الاتفاق عليه حتى تنفيذ الحكم – لإطار تشريعي واحد يقلل التداخل بين الأنظمة والإجراءات المختلفة.

ويظهر التحديث أيضاً في شكل اتفاق التحكيم ذاته. فقد وسّعت المادة 5 مفهوم الكتابة، وأدخلت المراسلات الإلكترونية ضمن صور إثبات الاتفاق. وأكدت المادة 8 استقلال اتفاق التحكيم عن العقد الأصلي، بحيث لا يؤدي بطلان العقد أو فسخه أو إنهاؤه بذاته إلى سقوط اتفاق التحكيم متى كان صحيحاً في ذاته. وهنا ينبغي التمييز بين استحداث القاعدة وبين تقنينها بصورة أكثر وضوحاً. فاستقلال شرط التحكيم والمرونة في إثباته من المبادئ المعروفة في قوانين التحكيم الحديثة، لكن أهميتهما في القانون الجديد تكمن في إدماجهما بصورة صريحة ضمن منظومة تشريعية موحدة.

سرعه الإجراءات: آجال محددة ورقمنة

يبقى السؤال الأكثر أهمية لقطاع الأعمال: هل يصبح التحكيم أسرع فعلاً؟ وضع القانون آجالاً محددة لعدد من الإجراءات التي قد تمثل نقاط تعطيل في الخصومة. فالمادة 15 تضبط إجراءات اختيار المحكمين والفصل في طلب التعيين بمدة محددة، كما أن طلب رد المحكم لا يؤدي بذاته إلى وقف سير التحكيم وفق التنظيم الوارد بالمادة 18. وأجازت المادة 39 عقد الجلسات والمداولات عبر وسائل الاتصال الحديثة وتبادل المذكرات والمستندات إلكترونياً.

كما قرر القانون، عند عدم اتفاق الأطراف على مدة أخرى، أن يصدر الحكم خلال اثني عشر شهراً من اكتمال تشكيل الهيئة، مع إمكانية المد وفق الضوابط المقررة. وقيد دعوى البطلان بمواعيد محددة، وألزم محكمة الاستئناف بالفصل فيها خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر. ومع ذلك، لا تعني هذه المواعيد أن كل نزاع تحكيمي سيكون سريعاً تلقائياً، فالمدة الواقعية تظل مرتبطة بطبيعة النزاع وتعقيده وحجم المستندات والخبرة الفنية المطلوبة وكفاءة إدارة الملف وسلوك الأطراف. وبالتالي، يضع القانون أدوات تشريعية للحد من مساحات التأخير الإجرائي دون أن يضمن سرعة كل تحكيم.

محكم الإجراءات الوقتية والتحفظية

من أبرز مستحدثات القانون تنظيم محكم الإجراءات الوقتية والتحفظية في المواد من 41 إلى 45. تظهر أهمية هذا النظام في المنازعات التي لا يحتمل فيها المركز القانوني الانتظار حتى اكتمال تشكيل هيئة التحكيم. فعند غياب الآلية المتفق عليها، نظم القانون إمكانية تعيين هذا المحكم بأمر على عريضة خلال خمسة أيام، على أن يصدر قراره خلال خمسة عشر يوماً، مع إمكانية التمديد المسبب لمدة لا تجاوز عشرة أيام. كما نظم التظلم من القرار برقابة قضائية سريعة. يعالج هذا التنظيم فجوة عملية مهمة بين نشوء الحاجة إلى الحماية العاجلة واكتمال تشكيل الهيئة التي ستفصل في أصل النزاع.

كما نظم القانون الفصل بين حجية الحكم ومرحلة تنفيذه جبراً. المادة 68 تقرر لأحكام التحكيم قوة الأمر المقضي، فيما نظمت المواد اللاحقة أمر التنفيذ والرقابة القضائية المرتبطة به. وتشمل الضوابط، وفق المادة 70: التحقق من عدم تعارض الحكم مع حكم سابق في الموضوع، وعدم مخالفته للنظام العام، واستيفاء متطلبات الإعلان ومواعيد دعوى البطلان.

بطلان الحكم وتصدي محكمة الاستئناف للموضوع

جعل القانون البطلان طريقاً محدداً لمراجعة الحكم، مع أسباب وضوابط وآجال معينة. وقرر – كأصل عام – أن رفع دعوى البطلان لا يؤدي بذاته إلى وقف التنفيذ، وهي نقطة ذات أثر عملي مهم لأنها تحد من إمكانية استخدام مجرد إقامة دعوى البطلان كوسيلة لإرجاء آثار الحكم دون مبرر جدي. وإذا كان ثمة نص مرشح لإثارة نقاش قانوني جاد في التطبيق، فهو المادة 79. فالقانون يقضي بأنه إذا حكمت محكمة الاستئناف ببطلان حكم التحكيم كلياً أو جزئياً، فإنها، مع مراعاة المادة 79، تتعرض لموضوع النزاع وتقضي فيه. يحمل هذا الاتجاه مبرراً عملياً واضحاً يتمثل في عدم إعادة الخصوم إلى نقطة البداية بعد استنفاد الوقت والنفقات، لكنه يثير سؤالاً قانونياً بالغ الأهمية: إذا ظل اتفاق التحكيم قائماً وصحيحاً رغم بطلان الحكم، فإلى أي مدى يتفق انتقال الفصل في أصل النزاع إلى القضاء العادي مع إرادة الطرفين الأصلية في اختيار التحكيم؟ وهل يعود الطرفان إلى إجراءات التحكيم أم تبقى المحكمة مختصة؟ هذا يقود إلى أهمية التطبيق القضائي في تحقيق التوازن بين اعتبارات الاقتصاد في الإجراءات واحترام سلطان إرادة الأطراف والطبيعة الاتفاقية للتحكيم.

في تقديري، ستكون المادة 79 من أهم النصوص التي سيرسم القضاء من خلالها حدود العلاقة الجديدة بين استقلال التحكيم والقضاء المساند له. يضع القانون الجديد الكويت ضمن الاتجاه الخليجي نحو بناء تشريعات مستقلة للتحكيم، كما في الإمارات (القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2018) والسعودية (نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 لسنة 1433هـ). لكن الاتفاق في البناء العام لا يعني تطابق الأنظمة. ففي الإجراءات العاجلة، اتجه المشرع الكويتي إلى تنظيم محكم للإجراءات الوقتية والتحفظية تشريعياً قبل تشكيل هيئة التحكيم، ووضع له آجالاً محددة للتعيين وإصدار القرار. كما منح مساحة واسعة للإجراءات الإلكترونية. أما الفارق الأكثر دقة فيظهر عند بطلان الحكم: المادة 79 من القانون الكويتي تتجه إلى تصدي محكمة الاستئناف لموضوع النزاع عند الحكم بالبطلان، خلافاً للاتجاه في النظامين السعودي والإماراتي حيث تظل الرقابة القضائية مرتبطة بالبطلان والتنفيذ دون تبني ذات الصيغة الكويتية في التصدي الإلزامي للموضوع.

وتظهر خصوصية أخرى في عقود جهات الدولة. وضع القانون الكويتي تنظيماً تفصيلياً للموافقات اللازمة للاتفاق على التحكيم، بما في ذلك استطلاع رأي إدارة الفتوى والتشريع، والموافقات التي تحددها المادة 3 وفق طبيعة العقد والجهة المعنية. يجعل ذلك التحقق من استيفاء الموافقات القانونية جزءاً أساسياً من سلامة بناء شرط التحكيم منذ مرحلة التعاقد. فلا تكشف المقارنة عن أفضلية مطلقة لنظام على آخر، بل تظهر اختلاف الفلسفة التشريعية في تحديد العلاقة بين إرادة الأطراف واستقلال العملية التحكيمية من جهة، ودور الدولة والقضاء في الرقابة والمساندة من جهة أخرى. يبدو القانون الكويتي أكثر تفصيلاً في بعض أدواته التنظيمية والإجرائية، فيما يبقى نجاح هذا الاختيار مرتبطاً بمدى قدرة التطبيق على المحافظة على سرعة التحكيم ومرونته.

التحكيم والرقمنة والسرية

تبنى القانون مساراً واضحاً للرقمنة في الإجراءات التحكيمية. المادة 39 تمنح الإجراءات المنفذة عبر وسائل التقنية الحديثة الأثر القانوني المقرر للإجراءات الحضورية. كما يعترف القانون بالمراسلات الإلكترونية في إثبات اتفاق التحكيم، ويتناول التوقيع الإلكتروني للحكم. في المقابل، قررت المادة 40 سرية الإجراءات، وربط القانون إفشاء أسرار التحكيم أو نشر الحكم بالمخالفة لأحكامه بجزاءات محددة. وهنا تتجلى معادلة تشريعية مهمة: اتساع استخدام التقنية يقابله تشدد أكبر في حماية سرية المعلومات. ويضاف إلى ذلك ما قررته المادة 30 بشأن الإفصاح عن مصادر تمويل تكاليف التحكيم، بما يدخل مسألة التمويل وما يرتبط بها من اعتبارات تعارض المصالح ضمن البنية التنظيمية الجديدة.

هل أصبح التحكيم أقل تكلفة؟

رداً على سؤال حول خفض التكاليف، أكد د. فايز الفضلي أن الإجابة المهنية الدقيقة تقول إنه ليس بالضرورة. فالتحكيم قد يتضمن أتعاب المحكمين والخبراء والمحامين ورسوم المؤسسة التحكيمية، ولا يسمح صدور قانون جديد بذاته بالجزم بأن التحكيم أصبح أقل تكلفة من القضاء. لكن المعادلة الاقتصادية أوسع من الرسوم المباشرة. فإذا نجحت المواعيد الجديدة والرقمنة والتدابير العاجلة وتقليص فرص المماطلة في الحد من مدة النزاع وآثاره على الأعمال، فقد ينعكس ذلك على الكلفة الاقتصادية الإجمالية التي تتحملها الشركات. لذلك، فإن السؤال الأدق ليس أيهما أرخص، بل أي مسار يحقق أفضل توازن بين الكلفة والمدة والخبرة المتخصصة والسرية وقابلية التنفيذ.

في المحصلة، لا يمثل قانون التحكيم الجديد مجرد إعادة تنظيم لإجراءات فض المنازعات، بل يعكس توجهاً نحو بناء بيئة قانونية أكثر وضوحاً ومرونة في التعامل مع النزاعات التجارية والاستثمارية. وقد وفر القانون أدوات مهمة تمتد من الرقمنة والتدابير الوقتية إلى ضبط إجراءات البطلان والتنفيذ، مما يجعل التحكيم خياراً يستحق أن يكون حاضراً بجدية عند تصميم العقود والاستثمارات الكبرى. وبالنسبة للمستثمر، فإن الثقة في السوق لا تقوم فقط على فرص الربح، بل ترتبط أيضاً بوضوح القواعد التي تحكم العلاقة ومعرفة الطريق الذي يسلكه عند نشوء الخلاف والقدرة على حماية الحقوق والوصول إلى حكم قابل للنفاذ. ومن هنا تأتي القيمة الأعمق للتشريع الجديد: أن يجعل إدارة النزاع جزءاً من التخطيط للاستثمار، لا أزمة تبدأ بعد وقوعه. ولا يعني ذلك أن التحكيم هو الخيار الأفضل لكل عقد، أو أن صدور القانون سيزيل جميع تحديات التطبيق، بل يعني أن الشركات والمستثمرين أصبح أمامهم إطار تشريعي أكثر تكاملاً يتيح لهم بناء علاقاتهم التجارية على قدر أكبر من الوضوح وقابلية التوقع. وإذا اقترنت هذه النصوص بتطبيق قضائي مساند وفعال، ومراكز تحكيم مؤسسية ذات كفاءة، وممارسة مهنية متخصصة، فإن الفرصة تصبح مهيأة لتعزيز الثقة في الكويت كمقر لتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية. فالاستثمار الواثق لا يبدأ فقط بدراسة جدوى المشروع، بل يبدأ أيضاً من الثقة في النظام القانوني الذي يحميه. والقانون الجديد يفتح الباب أمام الشركات والمستثمرين لإعادة النظر إلى التحكيم، لا باعتباره طريقاً بديلاً عند وقوع النزاع فحسب، بل باعتباره جزءاً من هندسة الصفقة وإدارة مخاطرها وحماية استمراريتها منذ اليوم الأول. وحين تلتقي جودة التشريع بكفاءة التطبيق، يتحول التحكيم من مجرد وسيلة لفض النزاع إلى أحد عناصر الثقة في البيئة الاستثمارية. وهنا تكمن الفرصة الحقيقية أمام الكويت: أن تجعل من كفاءة العدالة التجارية سبباً إضافياً للاستثمار فيها.