استعادة كيدال تفتح الباب أمام مفاوضات أم جولة قتال جديدة في مالي؟

تونس – في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن الجيش المالي دخوله مدينة كيدال الاستراتيجية الواقعة شمالي البلاد، وذلك بعد أن أعلنت جبهة تحرير أزواد انسحابها منها، عقب نحو ستة أشهر من السيطرة عليها. هذا التطور يثير تساؤلات حول ما إذا كان يمهد لعودة المسار التفاوضي أم يعكس إعادة تموضع استعداداً لجولة جديدة من القتال في شمال مالي.
خلفية الصراع وانهيار اتفاق الجزائر
كان مقاتلو جبهة تحرير أزواد ومسلحون من جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم “القاعدة” قد شنوا في أبريل/نيسان هجمات واسعة في أنحاء مالي، تمكنوا خلالها من السيطرة على كيدال التي تبعد 1500 كيلومتر عن العاصمة باماكو. وفي إطار هذه الهجمات، استُهدف مقر إقامة وزير الدفاع ساديو كامارا بمدينة كاتي قرب باماكو بسيارة مفخخة يقودها انتحاري، قبل أن يندلع اشتباك أصيب خلاله الوزير وتوفي لاحقاً متأثراً بجروحه، في ضربة قوية للمجلس العسكري الحاكم.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي “إنهاء” اتفاق السلم والمصالحة الذي تم التوقيع عليه في العام 2015 برعاية رئيسية من الجزائر بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة شمالي البلاد، والذي تضمن ترتيبات لدمج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة ومعالجة قضايا سياسية وأمنية وتنموية.
انسحاب استراتيجي أم تراجع تكتيكي؟
جبهة تحرير أزواد قالت لدى انسحابها من كيدال في السادس من أكتوبر/تشرين الأول إنها “تنفذ انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً لقواتها” من المدينة، ووصفت الخطوة بأنها “إجراء عملياتي مؤقت” يستهدف الحفاظ على قدراتها البشرية واللوجستية، وأرجعت القرار إلى الضغط الذي شكلته العمليات الجوية التي نفذها الجيش المالي بدعم من شركائه الروس. وقد دخلت القوات المالية وشركاؤها الروس المدينة دون قتال، فيما أعلنت باماكو تعزيز وجودها فيها تمهيداً للعودة التدريجية للإدارة والخدمات العامة.
الناطق باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان قال في اتصال مع الأناضول: “انسحابنا من كيدال محكم ومنظم ومجرد عملية استراتيجية”. وأضاف: “لدينا استراتيجية بإخلاء كيدال والنظر في أمور أخرى، فالانسحاب متعلق بأمور عسكرية بحتة”.
واعتبر أن “مستقبل دولة مالي مشروط بإيجاد حلول عادلة للقضية الأزوادية، وعدم الاستقرار سيستمر ما لم توجد حلول تلبي تطلعات الشعب الأزوادي”، مردفاً بالقول: “نحن في حرب والمعارك ستستمر”. وشدد على ضرورة إيجاد حلول للقضية، “خاصة سياسية تتعلق بحق الشعب الأزوادي في تقرير المصير”.
الهدوء الهش واحتمالات العودة إلى القتال
خبير في الشأن المالي يقيم في باماكو، مفضلاً عدم كشف هويته لدواع أمنية، قال: “باماكو أصبحت آمنة الآن ومستقرة وخطوط الإمداد عادت تعمل في وضع طبيعي”. وأضاف: “أحداث الشمال في كيدال وغيرها لا تأثير لها في الوضع الحالي رغم أن الجيش يتكبد خسائر كبيرة”. وأكد أن “الاتفاق مع الجزائر كان له تأثير في استقرار العاصمة وحصر المعارك في الشمال”. ويرجح الخبير أن تكون هناك “أجندة سياسية متفق عليها تقضي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة لجهة منتخبة”، كما يرجح أن يكون “تراجع أزواد من كيدال متفقاً عليه من خلال العودة إلى خطوط تماس قديمة”، مستدلاً على ذلك بخروج جبهة تحرير أزواد “دون قتال”.
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر عمار سيغة قال في حديث للأناضول إن “ما تشهده أزمة مالي من تطورات بعد عودة جبهة تحرير أزواد إلى خطوط التماس القديمة يطرح عدة تساؤلات وتفسيرات”. وأوضح أن أبرز تلك التساؤلات يتعلق “بالحل السياسي الذي يمكن اعتباره قريباً من خلال التطورات الميدانية التي أثبتت أن التكلفة باهظة للمقاربة العسكرية”، مشيراً إلى الخسائر البشرية.
وأضاف سيغة: “المقاربة العسكرية أصبحت على المحك، بالإضافة إلى وجود ضغوط إقليمية ودولية من خلال لعب الجزائر دوراً مهماً في رعاية اتفاق السلم والمصالحة”. ولفت إلى أن الاتفاق جاء ضمن مسار رعته الجزائر لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، وتغليب مقاربة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل من خلال الحوار السياسي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وتابع: “هناك تطورات أخرى من خلال دخول الأزمة مرحلة مفصلية وبوادر الانفراج السياسي باتت أكثر طرحاً”، وساق معطى آخر يتمثل في “عودة التفاوض لإيجاد مخارج سياسية، باعتبار أن جبهة تحرير أزواد ما زالت تتمسك بمطالبها المتعلقة بالتنمية وإنشاء مشاريع اقتصادية من شأنها تخفيف الفقر وتحسين الظروف الاجتماعية”.
ووفق سيغة، فإن “السيناريوهات مفتوحة لكل الاحتمالات، والعودة للعمل المسلح واردة إذا فشل أي تفعيل جديد لاتفاق الجزائر 2015”. ونبه إلى أن الطرفين، جبهة تحرير أزواد والجيش المالي، قد يستغلان الهدوء “لتنظيم الصفوف وتأمين خطوط الإمداد في العمق الصحراوي، تحسباً لأي سيناريوهات محتملة”.
ويرى سيغة أن “انسحاب القوات الأزوادية من كيدال يفتح فرصاً حقيقية قد تساهم في إحياء المسار التفاوضي وتغليب المقاربة السياسية، وهو ما قد يحول الملف من نبرة عسكرية تصادمية إلى منطق التوافق الشامل والحوار”. وأضاف: “الانسحاب يؤكد أن القيادة الأزوادية لا تزال تحافظ على المرونة اللازمة التي تمكن من تجسيد تطلعات القبائل والمكون الاجتماعي للمنطقة بما يكفل الوحدة والاستقرار في مالي”.
الحيز الجغرافي الواسع واستمرار الحرب
الباحث الموريتاني في شؤون دول الساحل والصحراء محمدن أيب أيب اعتبر أن “انسحاب جبهة تحرير أزواد سيفتح أمامها علاقات جديدة وآفاقاً عسكرية وأمنية جديدة في حوض نهر النيجر وبحيرة تشاد وإقليم أزواد”. وأكد أيب للأناضول أن “دخول جيش مالي إلى كيدال جاء بعد التقارب الجزائري المالي”، لكنه رأى أن دخول المدينة “لا يعني نهاية الحرب، لأنه أمام حيز جغرافي يمتد إلى حدود الجزائر ومنطقة تودن (نحو 1200 كيلومتر شمال باماكو)، وهي صحراء واسعة قاحلة لا أثر فيها للوجود المالي”.
وأوضح الباحث الموريتاني أن “الانسحاب جاء بسبب الغطاء الجوي الذي وفره الروس للجيش المالي”، وتوقع أنه “لن يكون هناك استقرار إلا بغلبة السلاح أو العودة إلى المفاوضات بين جبهة تحرير أزواد ومالي”. ولفت إلى أن “جبهة تحرير أزواد انسحبت ودخل الجيش دون قتال، إلا أن الحديث عن استقرار في مالي بعيد المنال الآن”.
يُذكر أن تسمية “أزواد” تطلق على منطقة جغرافية واسعة في شمال مالي تضم مكونات سكانية وإثنية متعددة، منها الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي، ويعد الطوارق من أبرز مكوناتها، ويتميزون بثقافتهم الأمازيغية ولغتهم التماشقية. وتبلغ مساحة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع من إجمالي مساحة مالي البالغة نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، وتمتد شمالي البلاد بمحاذاة الحدود مع الجزائر وموريتانيا والنيجر.




