تخطَّ إلى المحتوى
الإثنين 2 نوفمبر 202622 جمادى الأولى 1448 هـ30° صحو جزئياً
الفجر 04:42 د.ك = 3.212 $
2نوفمبر2026
طبعة رقميةتُحدَّث على مدار الساعة

أخبار الكويت و الخليج و العالم

آخر الأخبار

تحذيرات من تحول الساحل الإفريقي إلى ساحة صراع دولي.. وخبراء يدعون لتفعيل دور الجوار

تحذيرات من تحول الساحل الإفريقي إلى ساحة صراع دولي.. وخبراء يدعون لتفعيل دور الجوار

تصاعدت في الآونة الأخيرة الدعوات الإقليمية والدولية المحذرة من تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة الساحل الإفريقي، وسط مطالبات متكررة بإشراك دول الجوار المغاربي والإفريقي في جهود إنقاذ المنطقة، بدلاً من تركها مسرحاً للاستقطاب الدولي وتصفية الحسابات بين القوى العظمى.

تحذير سنغالي من مصير مأساوي

وكان الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، الذي يتولى الرئاسة الدورية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، قد أطلق تحذيراً في نهاية سبتمبر الماضي من ترك منطقة الساحل تواجه مصيرها المأساوي، مشيراً إلى أن زعزعة استقرارها لن تقتصر تداعياتها على إفريقيا فحسب بل ستطال المصالح الأخرى الموجودة فيها.

ودعا فاي، خلال كلمته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، إلى صحوة جماعية لمواجهة الإرهاب بوصفه آفة عابرة للحدود، وشدد على أن السلام مسؤولية مشتركة، خاصة في ظل النزاعات المستمرة التي تغذي سباق التسلح وتضعف آليات نزع السلاح.

جهود مغاربية مكثفة

وفي هذا الإطار، تكثف دول مغاربية، وعلى رأسها الجزائر، تحركاتها الدبلوماسية في مالي وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع النيجر، بهدف تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين. وتُعرف منطقة الساحل الإفريقي بأنها نطاق جغرافي وحضاري شاسع يمتد عرضياً عبر القارة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً، ويشكل منطقة فاصلة طبيعية بين الصحراء الكبرى شمالاً والغابات المدارية جنوباً، وتضم دول مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا وبوركينا فاسو والسنغال، إضافة إلى أجزاء من السودان ونيجيريا والكاميرون وغامبيا وغينيا.

وفي عام 2023، أسست كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر تكتلاً دفاعياً أطلقت عليه اسم تحالف دول الساحل، معلنة انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) التي تأسست عام 1975 لتعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون الإقليمي، والتي تضم حالياً دول بنين والرأس الأخضر وكوت ديفوار وغامبيا وغانا وغينيا وغينيا بيساو وليبيريا ونيجيريا والسنغال وسيراليون وتوغو.

خبير تونسي: الأزمات نتاج تراكمات تاريخية

من جانبه، يرى الأكاديمي والخبير التونسي في الشؤون الدولية كمال بن يونس، رئيس مؤسسة ابن رشد للدراسات الدولية، أن التحذيرات السنغالية تعكس خطورة الوضع في منطقة الساحل التي تحولت إلى واحدة من أبرز بؤر التوتر الأمني والسياسي عالمياً. ويقول بن يونس في تصريحات للأناضول إن أزمات المنطقة ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية تتحمل القوى الاستعمارية السابقة، وخاصة فرنسا، جانبا كبيراً من المسؤولية عنها.

ويوضح أن السياسات الفرنسية والغربية ساهمت طوال عقود في تكريس التبعية الاقتصادية والأمنية، ودعم الأنظمة السياسية الهشة، وتغليب المصالح الاستراتيجية واستغلال الثروات على حساب التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ويعتبر أن التدخلات العسكرية الأجنبية، رغم شعارها بمكافحة الإرهاب، لم تحقق الاستقرار، بل تزامنت مع توسع رقعة الجماعات المسلحة وتفاقم الأزمات الإنسانية.

ويضيف: “مع ذلك، لا يمكن إعفاء النخب الحاكمة في دول المنطقة من مسؤوليتها عن إخفاقات الحكم والتنمية”. ويحذر بن يونس من تحويل منطقة الساحل إلى ساحة صراع جديدة بين فرنسا والغرب من جهة وروسيا من جهة أخرى، مؤكداً أن الحل لا يكمن في استبدال نفوذ أجنبي بآخر، لأن تغيير الشريك الأجنبي لا يعني بالضرورة التحرر من التبعية.

ويشدد على ضرورة الانتقال من سياسة إدارة الأزمات بواسطة القوى الأجنبية إلى بناء منظومة أمن وتنمية إقليمية تقودها الدول الإفريقية نفسها، لتمكين شعوبها من تقرير مصيرها وبناء مؤسسات وطنية قوية. ويلفت إلى أن إفريقيا تحتاج إلى شراكات دولية متكافئة لا وصاية جديدة، معتبراً أن الأمن الحقيقي يبدأ بالتنمية والسيادة الوطنية والتكامل الاقتصادي، وليس بالقواعد العسكرية الأجنبية.

دور الجزائر والجوار

وبخصوص دور دول الجوار، يؤكد بن يونس أن الجزائر تعد من أكثر الدول المعنية باستقرار منطقة الساحل، نظراً لحدودها الجغرافية الطويلة ووزنها السياسي والعسكري وعلاقاتها التاريخية مع الشعوب الإفريقية. ويوضح أن الدبلوماسية الجزائرية سعت إلى تغليب الحوار والمصالحة الوطنية والحلول السياسية، كما تجسد في اتفاق الجزائر للسلام في مالي عام 2015، رغم الصعوبات التي واجهت تطبيقه وصولاً إلى إنهاء العمل به من جانب السلطات المالية في يناير 2024.

ويقارن بن يونس بين المقاربة الجزائرية التي ترفض التدخلات العسكرية الأجنبية وتجمع بين حماية الأمن القومي ومنع انتقال الإرهاب والجريمة المنظمة، وبين المقاربات الفرنسية والغربية التي ركزت على الحلول العسكرية والترتيبات الأمنية المرتبطة بمصالح القوى الكبرى. ويشير إلى أن الجزائر تواجه تحديات دبلوماسية وأمنية في ظل توتر علاقاتها مع بعض السلطات الانتقالية في المنطقة وتزايد التنافس الدولي، موضحاً أن نجاح دورها يتطلب تعزيز الثقة مع دول الجوار وتطوير التعاون الاقتصادي والابتعاد عن منطق الاستقطاب الإقليمي والدولي.

ويرى أن دول الجوار الإفريقي والمغاربي تمتلك إمكانيات مهمة للمساهمة في تسوية أزمات الساحل، شرط توفر الإرادة السياسية وتجاوز الخلافات الثنائية والحسابات الضيقة. ويضيف أن الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا تستطيع، بالتعاون مع دول الساحل والاتحاد الإفريقي، المساهمة في بلورة مقاربة إقليمية جديدة تقوم على الحوار السياسي والمصالحة الوطنية والتعاون الأمني، إلى جانب مشاريع اقتصادية وتنموية مشتركة، مع إعطاء الأولوية لمعالجة الأسباب العميقة للتطرف والهجرة غير النظامية، وفي مقدمتها الفقر والبطالة والتهميش وغياب آفاق التنمية لدى الشباب.

محلل جزائري: القبلية غلبت على الدولة

من جهته، يقول الصحفي والمحلل الجزائري نصر الدين بن حديد إن الأوضاع في منطقة الساحل معقدة للغاية، نتيجة عجز أغلب حكومات المنطقة عن توفير الأمن والاستقرار، بسبب غلبة القبلية على الدولة وغياب برامج تنموية توفر فرص عمل لملايين الشباب. ويوضح بن حديد للأناضول أن تحركات الجزائر تهدف بالأساس إلى حماية حدودها البرية الطويلة جداً مع دول الساحل، مشيراً إلى أن أبرز ما يقلق الجزائر هو احتمال التقاء الإرهاب بالجريمة المنظمة والحركات الانفصالية.

ويضيف أن التناقض الحاد في المنطقة بين تفشي الفقر والعوز من جهة، وتوفر ثروات طبيعية هائلة من جهة أخرى، يضع النخب المحلية أمام رهان صعب لتجاوز حالة الوهن وبسط سيطرة الدولة.