الديوانيات في الكويت: منصة تاريخية للشورى وتماسك المجتمع

الديوانيات في الكويت: منصة تاريخية للشورى وتماسك المجتمع

في أرجاء الديوانيات الكويتية يلتقي عبق الماضي مع نبض الحاضر، لتتحول هذه الفضاءات إلى مراكز حيوية تتسم بالدفء الإنساني وتعكس روح التلاحم والتآزر بين أفراد المجتمع. تشكل هذه الأماكن صرحاً ثقافياً واجتماعياً يمتد أثره عبر الأجيال، وتظل رمزاً ثابتاً في الوجدان الجمعي يختزل أصالة التراث وتفرده.

العلاقة بين الحاكم والمحكوم عبر الديوانيات

على مر العقود، تجسدت في الديوانيات علاقة استثنائية بين السلطة الشعبية والسكان في الكويت، حيث أصبحت وسيلة مباشرة للتواصل بين الطرفين. من خلال عادة زيارة القادة لهذه الفضاءات وتفقدها، أُتيحت مساحة حرة لمناقشة القضايا العامة وتقديم الشكاوى، ما ساهم في تبني حلول تُرضي الجميع.

الديوانيات كصمام أمان في الأزمات

سجلات التاريخ تُظهر أن الديوانيات لعبت دوراً بارزاً في تخفيف وطأة الأزمات الاقتصادية التي مرت بها البلاد. أبرز مثال على ذلك هو عام 1868، حين فتحت الديوانيات أبواب مخازنها لتستقبل المتضررين وتخفف من معاناة المجاعة التي انتشرت آنذاك.

مع ظهور الدولة الحديثة، تحولت الديوانيات إلى منصة وطنية نشطة، رست فيها ثقافة الشورى والمشاركة المجتمعية، وأُقيمت فيها ندوات فكرية، أمسيات شعرية، وملتقيات سياسية واقتصادية ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي، لتصبح عنصراً أساسياً في الحياة العامة ومكوّناً رئيسياً من التراث الثقافي غير المادي.

ظهور الديوانيات النسائية

في ظل التحولات المعاصرة، لم تعد الديوانيات حكراً على الرجال؛ فقد نشأت ديوانيات نسائية أصبحت مراكز حيوية لتجمع السيدات وتبادل الآراء حول شتى القضايا. هذا التطور يعكس تغيراً اجتماعياً يتيح للمرأة الكويتية مساحة جديدة للتعبير والمشاركة.

الاعتراف الدولي والإنجازات الوطنية

أكد الأمين العام المساعد لقطاع الآثار والمتاحف بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، محمد بن رضا، أن إدراج الديوانية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو كملف كويتي منفرد في عام 2025 يُعَدّ إنجازاً وطنياً وثقافياً يبرز مكانتها الحضارية. وأوضح أن هذا الاعتراف يثبت أن الديوانية ليست مجرد تقليد اجتماعي، بل ممارسة ثقافية إنسانية أسهمت تاريخياً في ترسيخ قيم الحوار، التسامح، والتلاحم المجتمعي، ولا تزال تُعدّ فضاءً لتبادل الأفكار ونقل القيم بين الأجيال، مما يعمق الهوية الوطنية ويقوي الانتماء.

وأضاف أن هذا الإنجاز يعزز حضور الكويت الثقافي على الساحة الدولية، ويساهم في إبراز الديوانية كنموذج يعكس قيم الكرم والحوار والتعايش، إلى جانب دورها في دعم السياحة الثقافية وتفعيل أدوات الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة في المحافل الإقليمية والدولية.

الأندية الأدبية والثقافية داخل الديوانيات

أشار رئيس الجمعية الكويتية للتراث، فهد العبدالجليل، إلى أن الديوانيات استضافت عددًا من الأندية الأدبية والثقافية، منها النادي الأدبي الذي تأسس عام 1924 ومقره ديوان محمد صالح الجوعان، ونادي العروبة الذي استضافه ديوان العوضي في شرق، إضافة إلى النادي الأهلي في ديوان مشعان الخضير.

وصف العبدالجليل الديوانية بأنها غرفة معزولة في المنزل، بباب يطل على الخارج وآخر على الفناء، موضحاً أن الكثير منها كان يحتوي على مخزن للحطب ورفوف توضع عليها المرشات (الورد) والمباخر وعلب البخور، إلى جانب “وجاغ” وهو حفرة مربعة من الجص والطين تُستخدم لإعداد القهوة.

كما أشار إلى أن أبرز الديوانيات هي ديوانية الأسرة الحاكمة، التي كان ولا يزال الكويتيون يحرصون على زيارتها في المناسبات من أفراح وأتراح، وكانت تقع في بيت الحاكم في فريج الشيوخ القديم قبل بناء القصور الحديثة.

دور الديوانيات في نشأة مؤسسات الدولة

ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، د. عايد الجريد، أن معظم المشاريع الإصلاحية والتعليمية والثقافية في الكويت انطلقت من الديوانيات. على سبيل المثال، تم طرح فكرة مجلس الشورى في ديوانية ناصر البدر بالحي القبلي عام 1921، ونقشت فكرة إنشاء المدرسة المباركية في ديوانية يوسف القناعي، كما تأسس النادي الأدبي الكويتي في ديوانية الشيخ عبدالله الجابر الصباح عام 1924، وهو أول مؤسسة مجتمع مدني في تاريخ الكويت.

أكد الجريد أن الديوانية لعبت دوراً كبيراً في تثقيف المجتمع في أوائل القرن العشرين، مشيراً إلى ديوانية عائلة الخالد وديوانية يوسف القناعي كمراكز تجمع للقراء الذين كانوا يطلعون على الصحف والمجلات الأجنبية مثل “المنار” و”المقتطف” و”الهلال”، ويتبادلون النقاش حول محتواها.

وأشار إلى أن ديوانية آل خالد كانت ملتقًى لرجال العلم والأدب، حيث استقبل الزعيم التونسي الشيخ عبدالعزيز الثعالبي عام 1923 عند حمد الخالد، الذي خصص مكاناً في ديوانيته لكل عالم يزور الكويت، مما أتاح لقاء العلماء الكويتيين بالمثقفين العرب.

المشاركة النسائية في الديوانيات

أوضحت الكاتبة سعاد المعجل أن أي حديث عن الديوانيات لا يمكن فصله عن دور المرأة الكويتية التي أسهمت في إحياء هذا التقليد. شددت المعجل أن المرأة في الكويت لم تكن مجرد شريحة هامشية، بل كانت فاعلة اجتماعياً واقتصادياً منذ فترات الغوص والسفر، وتحملت مسؤولية إدارة الأسرة، ثم نالت حقها في فتح مدارس البنات النظامية عام 1937، وتوسعت مشاركتها السياسية والبرلمانية بعد إقرار حقوقها عام 2005.

وأشارت إلى أن رائدات مثل لولوة القطامي أسسن ديوانية خاصة لتداول شؤون المرأة وحقوقها، بينما كانت ديوانية الدكتورة سعاد الصباح أقرب إلى منتدى ثقافي وفكري. وأكدت أن حضور المرأة المستمر في الديوانيات يضيف غنىً إلى هذه الفضاءات، سواء كانت رجالية أو نسائية أو مختلطة، لتظل خاصية كويتية فريدة في الشكل والمضمون.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك