«الفتوى والتشريع» تناقش تعديلات قانون المناقصات: نصاب مليون دينار ونفاذ بعد ثلاثة أشهر

استضافت إدارة الفتوى والتشريع في مقرها ندوة حوارية حملت عنوان «قانون المناقصات العامة الجديد.. قراءة قانونية في التعديلات المستهدفة وآثارها على إجراءات التعاقد الحكومي»، وذلك في إطار الموسم الثقافي القانوني الثاني للإدارة، وقد شهدت حضور رئيس مجلس إدارة الجهاز المركزي للمناقصات العامة عصام المرزوق، ووكيل الوزارة المساعد لشؤون الخدمات المساندة في وزارة المالية مشعل القحص، ووكيلة إدارة الفتوى والتشريع ونائبة رئيس قطاع الفتوى د. نجلاء الغيض، ومديرة الشؤون القانونية بالإنابة في مؤسسة البترول الكويتية آلاء الصقعبي.
نصاب جديد للمناقصات وتخفيف للعبء الإداري
كشف المرزوق في مداخلته أن النصاب الذي تُعرض عنده المناقصات على الجهاز المركزي رُفع ليصل إلى مليون دينار، بعد أن كان 75 ألف دينار، مبيّناً أن هذا التعديل استُحدث لأن نسبة كبيرة تبلغ نحو 50 بالمئة من المناقصات السابقة كانت بقيمة 75 ألف دينار، وهي مناقصات ذات طبيعة تشغيلية ومتكررة لا تستلزم تدخل الجهاز المركزي ومجلس الإدارة على نحو دائم. وأشار إلى أن الغاية من القرار هي تخفيف العبء الإداري والتركيز بقدر أكبر على المشاريع الاستراتيجية والحيوية، مع تأكيده أن الجهات الحكومية تمتلك الجاهزية والقدرة المالية والإدارية للتعامل مع هذا النصاب.
وذكّر المرزوق بأن التفكير في مراجعة الإجراءات بدأ في عام 2019، حين وجّه مجلس الوزراء بتشكيل لجنة يرأسها وزير الدولة للشؤون الاقتصادية تنظر في إجراءات التعاقدات الحكومية وتسريع الدورة المستندية، وقد ضمّت اللجنة ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية الرئيسية، منها وزارات المالية والأشغال والكهرباء والماء والقطاع النفطي، إلى جانب ممثل الأمانة العامة للجهاز المركزي، لافتاً إلى أن اللجنة انتهت إلى توصيات متعددة ومقترحات تشريعية تهدف إلى تيسير الإجراءات وتبسيطها وتنسيق العمل بين الجهات الحكومية.
الفصل بين التصميم والإنشاء وأولوية المنتج المحلي
وتناول المرزوق ما تضمنه القانون من مادة تتعلق بالفصل بين التصميم والإنشاء، موضحاً أن هذا الفصل ممكن في المشاريع التقليدية أو مشاريع البنية التحتية البسيطة، بينما في المشاريع المعقدة، ومنها محطات القوى الكهربائية والقطاع النفطي، فإن المقاول يُلزم بتقديم «الهندسة الأولية والتصميم» ثم تنفيذ المشروع بكامله على هذا الأساس، وقد أتاح القانون مرونة استثنائية للجهات التي ترغب في الدمج بين التصميم والإنشاء بأن تعرض مبرراتها وتحصل على الموافقة على ذلك.
وفي شأن المنتج المحلي، أفاد المرزوق بأن المواد الخاصة به جرى تدقيقها ومعالجتها بما يضمن وجود أفضلية واضحة للمنتجات الوطنية في مقابل المنتجات الأجنبية أو غير المحلية، منوهاً إلى التنسيق مع الجهات المعنية، ومنها وزارة الصناعة، لوضع نسب وضوابط دقيقة تدعم الصناعة والمنتج المحلي.
أما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فبيّن المرزوق أنه رغم وجود قوانين سابقة تدعمها، فإن التعديلات الجديدة أقرّت ضوابط تمنحها منافذ وأفضليات محددة في المناقصات بما يتسق مع القوانين العامة ولا يتعارض معها، كما ستُنظّم طريقة دخول هذه المشاريع في المشاريع الحكومية. وأضاف أن عمل لجنة التظلمات نُظّم لتكون الجهة التي تنظر في طعون الشركات على قرارات مجلس الإدارة، ومنح القانون الشركات حق اللجوء إليها إذا ارتأت أن قرار المجلس غير سليم، مع تحديد صلاحيات اللجنة في قبول تلك القرارات أو إلغائها.
وبخصوص ملف الوكيل المحلي، أشار المرزوق إلى أن نقاشاً موسّعاً دار حول إلغائه وما قد يترتب على ذلك من إشكاليات لبعض الجهات الحكومية، مثل وزارة الصحة ووزارات أخرى تتطلب طبيعة عملها وجود وكيل معتمد أو وكيل عمولة، وقد انتهى التعديل إلى إعطاء الوزير المختص، كوزير المالية أو الوزير المعني، صلاحية وضع الضوابط والقواعد المنظمة للاستثناءات أو للحالات التي يلزم فيها وجود وكيل محلي.
الغيض: أثر مباشر للقانون وضبط لإجراءات لجان الشراء
من جهتها، قالت د. نجلاء الغيض إن القانون انطوى على ملامح إيجابية، منها ما يتصل بمؤسسة البترول وموضوع رفع النصاب الذي وصفته بالمهم جداً، لأنه أتاح للجهات الحكومية العمل في ضوء تبسيط الإجراءات واتخاذ خطوات التعاقد والترسية مع تقليص الدورة المستندية، إلا أنها شددت في المقابل على ضرورة الانتباه إلى أن لجان الشراء في الجهات الحكومية مكلّفة بتنظيم عملها وتُوضع لها ضوابط تضمن سلامة الإجراءات المطبقة.
ولفتت الغيض إلى أن من الجوانب الإيجابية في القانون إضافة حكم يتعلق بإعادة تقييم تصنيف متعهدي المقاولات العامة على نحو دوري، وهو ما سيدفع الشركات إلى رفع مستواها للوفاء بمتطلبات الجهاز، مؤكدة أن مسألة الفصل أو الجمع بين أعمال التصميم والإنشاء مهمة بحد ذاتها لأنها قادرة على تعزيز كفاءة الأعمال وتقوية الحوكمة في تنفيذ المشاريع، ومضيفة أن القانون منح استثناءً تقدّره الجهة الحكومية وفق طبيعة كل مشروع.
وعن النطاق الزمني لسريان القانون، أوضحت الغيض أن هذه المسألة تُعرف بالأثر المباشر للقانون الجديد أو بفض التنازع بين القانون السابق واللاحق، وقد حُسمت في المادة 179 من الدستور والمادة الثالثة من القانون المدني، فالأصل قانوناً عدم رجعية القوانين، حرصاً من المشرّع على استقرار المعاملات وتحقيق العدالة للمتعاملين في ظل قانون قائم، منعاً لأي ربكة في التعاملات، مبينة أن القانون الجديد يسري بأثر فوري ومباشر على الوقائع القانونية التي تحدث في ظله، سواء عند نشأتها أو عند إنتاجها لآثارها أو عند انقضائها.
وأضافت أن آثار التصرفات أو الإجراءات التي جرت في ظل قانون سابق تبقى محكومة بالقانون الذي أُبرمت العقود في ظله، ما لم يكن الأمر متعلقاً بالنظام العام، موضحة أن التعديل بموجب المرسوم بالقانون رقم 94 لسنة 2026 نصّ في مادته الخامسة على العمل به بعد ثلاثة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي في أواخر شهر ديسمبر المقبل، بحيث يدخل حيز النفاذ من ذلك الموعد لا من تاريخ صدوره أو نشره في الجريدة الرسمية.
وذكرت أن المادة الثالثة من مرسوم التعديل تقضي بأن الإجراءات التي جرت على المناقصات لا تسري عليها أحكام القانون الجديد وتبقى خاضعة لأحكام القانون السابق، لكن القانون استدرك ذلك باستثناء يتعلق، على حد تعبيرها، بالمادتين 62 و62 مكرراً الخاصتين بأولوية المنتجات وبموضوع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتكون النفاذية في شأنهما فورية. وأشارت إلى قاعدة مستقرة وهامة تخص المناقص الفائز، إذ لا يُعدّ متعاقداً إلا من تاريخ التوقيع على العقد، وبالتالي فإن إرساء المناقصة أو الإعلان عنها يندرج في الإجراءات التمهيدية التي لا تُلزم الجهة الإدارية باتخاذ قرار حاسم فيها.
وبشأن اللائحة التنفيذية، قالت الغيض إنها تُعدّ، بحسب ما علمت، في قطاع التشريع لدى الفتوى والتشريع ويُستعجل إنجازها، موضحة أن اللائحة تُعدّ تشريعاً متمماً للتشريع الأصلي ويرتبط سريانها به، ومن المهم معرفة أنها تضع قواعد إجرائية عملية من دون أن تضيف حكماً جديداً أو تعدّل التشريع القائم أو تتضمن تعطيلاً أو إلغاءً، ولا تتصدى بالتنظيم لأي أمر لم ينظمه القانون الأساسي، فهي تقتصر على تحديد الإجراءات وضبط المسار وتقويمه إذا جانبه الخطأ.
المالية: تحديث تعميم الشراء وأسقف مقترحة
من جانبه، أكد مشعل القحص أن وزارة المالية تعمل على تحديث التعميم رقم 5 لسنة 2000 الخاص بنظم الشراء في الجهات الحكومية ليتلاءم مع النصاب والتعديلات الجديدة للقانون، بهدف تهيئة بيئة مناسبة في الجهات الحكومية تسرّع تطبيق القانون من دون معوقات، مشيراً إلى أن المناقصات والممارسات والشراء المباشر وسائل وليست غاية، وأن الهدف الأساسي هو تمكين الجهات الحكومية من تقديم خدماتها للمواطنين ودفع مشاريع التنمية إلى الأمام.
ولفت القحص إلى وجود اقتراح بأن تكون عروض الأسعار المقدمة حتى 25 ألف دينار مع وجوب الإعلان في الموقع الإلكتروني ومراعاة تضخم الأسعار، وأن تتراوح الممارسة العملية بين 25 و250 ألف دينار وفق إجراءات داخلية للجهات الحكومية، في حين تبدأ المناقصات الداخلية من 250 ألفاً إلى مليون دينار لتكون داخلية بحسب إجراءات الوزير أو رئيس الجهة مع الإعلان في جريدة الكويت اليوم والموقع الإلكتروني، أما المناقصات العامة فتكون لما زاد على مليون دينار بموافقة رئيس الجهة والإعلان الرسمي، مؤكداً أن هذه الأسقف ما زالت قيد البحث والدراسة والمشاورات مع جميع الجهات الحكومية ولن تُعتمد نهائياً إلا بعد أخذ آراء الجميع.
وعدّ القحص خطة الشراء من أهم بنود التعديل الجديد، إذ تفصح كل جهة حكومية عن خطتها المستقبلية واحتياجاتها في وقت مبكر، ما يساعد على تجميع طلبات الجهة في عقد واحد أمام مورد رئيسي بدلاً من تفتيت الطلبات وتعدد الأسعار على مدار العام، كما هو الحال في طلبات المكاتب والمشتريات المتكررة، بما يضمن كفاءة الأسعار والالتزام، ويتيح للقطاع الخاص الداخلي والخارجي الاطلاع المسبق على المشاريع والتجهيزات قبل طرحها، فتكون الشركات مستعدة للمشاركة الفورية، وهو ما يمنع تأخير العقود وتعقيد الدورة المستندية.
البترول: استثناء العمليات النفطية ورقابة لاحقة
بدورها، قالت مديرة الشؤون القانونية بالإنابة في مؤسسة البترول الكويتية آلاء الصقعبي إن المؤسسة ذات طابع تجاري اقتصادي وتمثل عصب إيرادات الدولة وفي مسيرتها نحو التقدم الاقتصادي والتجاري، وإن أغلب التشريعات الحالية تتوافق مع هذا التطور.
وأكدت أن العمليات البترولية والنفطية عرّفها المشرّع في الأساس بأنها مستثناة بالكامل من الخضوع لقانون المناقصات، فهي تخضع كلياً لآلية وقواعد الأحكام الموضوعة داخلياً في مؤسسة البترول والتي يعتمدها مجلس إدارتها، وبالتالي فإن أي عمليات نفطية مستثناة بالكامل وتخضع لتلك اللوائح الداخلية.
ولفتت الصقعبي إلى أن المشرّع أولى القطاع النفطي اهتماماً منذ عام 1980، مبينة أن عمليات النفط مستثناة بالكامل من الخضوع لقانون المناقصات وتخضع للوائح مؤسسة البترول، في حين تخضع العقود النمطية للجهاز المركزي للمناقصات، خصوصاً أنها ذات طبيعة فنية اقتصادية تجارية بالغة الدقة. وأشارت إلى أن القانون المعدل وضع تعريفات دقيقة للعمليات النفطية وفق مفهوم واضح وشامل يفرّق بين العمليات التي تخضع للمؤسسة وتلك النمطية التي تخضع لجهاز المناقصات.
وذكرت أن التعديل الجديد أفرد لمؤسسة البترول أنظمة يضعها مجلس الإدارة دون التقيد بقانون المناقصات العامة، مشيرة إلى أن المؤسسة لديها لجان تعمل على صياغة لوائح التعاقد تمهيداً لرفعها والحصول على الموافقات اللازمة عليها، وأن للمؤسسة وشركاتها التابعة لجنتين؛ الأولى لجنة الشراء الداخلية، والثانية لجنة الشراء العليا التي يشكلها مجلس إدارة المؤسسة ومن مهامها النظر في التظلمات، وأن التعديل الجديد لقانون مؤسسة البترول يخضعها للرقابة اللاحقة من قبل ديوان المحاسبة.




