الجامع الأزرق في القاهرة: معلم يجمع العمارة المملوكية والعثمانية

يقع الجامع الأزرق في قلب القاهرة التاريخية ليجسّد تلاقي الطرازين المعماريين المملوكي والعثماني، بعد رحلة طويلة من التجديد والترميم أعادت إليه بهاءه. ينتصب هذا المسجد في منطقة الدرب الأحمر وسط العاصمة المصرية، وقد شُيّد أصلاً في الحقبة المملوكية قبل أن يكتسب هويته الزرقاء المميزة في العهد العثماني.
لم تتوقف حكاية المسجد عند تلك التعديلات، إذ تعرض لأضرار بسبب زلزال هز القاهرة عام 1992 وأدى إلى إغلاقه. ثم أعيد افتتاحه بعد مشروع ترميم طويل استكمل في مايو 2015. ويرى كبير الأثريين في مصر مجدي شاكر، في حديث للأناضول، أن المسجد يمتلك قيمة معمارية وفنية كبيرة لجمعه بين خصائص عصرين تركا بصمات عميقة في العمارة الإسلامية بمصر.
عمارة بين عصرين
تفيد وزارة السياحة والآثار المصرية بأن الأمير آق سنقر الناصري، أحد مماليك السلطان قلاوون، بنى المسجد عام 1346م. ويشتهر بين الناس باسم “الجامع الأزرق” نسبة إلى البلاطات الخزفية التي غطت بعض جدرانه والمدفن الملحق به، ويطغى عليها اللون الأزرق. حمل المسجد أيضاً أسماء أخرى مثل “جامع النور” و”جامع إبراهيم أغا”.
يعود الاسم الأخير إلى الأمير العثماني إبراهيم أغا الذي أجرى تجديدات وتوسعات في المسجد عام 1651م، حسب المصدر الرسمي. شملت تلك الأعمال إضافة بلاطات خزفية زرقاء إلى جدار القبلة، صُنعت خصيصاً في تركيا، وأصبحت من أبرز العناصر الفنية التي تميز المسجد. يقول شاكر: “المسجد يحمل أهمية بالغة لأنه يدمج بين عصرين مؤثرين في العمارة المصرية؛ فالدولة المملوكية تشتهر بفكرة المعمار والزخارف وتميزت بذلك في مساجدها، وكذلك للعصر العثماني بصمته المعمارية”. وهكذا حافظ المسجد على طابعه المملوكي مع إضافة عناصر زخرفية عثمانية ساهمت في تشكيل هويته المعمارية الراهنة.
زلزال وترميم دام 14 عاماً
في 1992، أصيب الجامع الأزرق بأضرار جراء الزلزال الذي ضرب القاهرة، مما أدى إلى إغلاقه. بعد سنوات من الإغلاق، بدأت أعمال الترميم في 2001 ضمن مشروع استمر 14 عاماً، حتى أعيد افتتاحه رسمياً في مايو 2015. تضمنت الأعمال ترميم الواجهات الخارجية وأروقة الصلاة والأسقف الخشبية والشرفات والأقبية والمئذنة والأضرحة الملحقة. كما شملت معالجة الشروخ وعزل الأسطح، وترميم البلاطات الخزفية المعروفة بـ”القاشاني” في جدار القبلة، واستكمال العناصر المتآكلة منها.
بحسب مؤسسة صندوق الآغا خان للثقافة، عملت فرق ضمت ما بين 60 و80 حرفياً ومختصاً في ترميم الأعمال الفنية في المبنى بين عامي 2009 و2012. وشمل العمل إزالة التدعيمات الهيكلية المؤقتة التي وُضعت بعد زلزال 1992، وتركيب تدابير للحماية من الزلازل، خصوصاً عند قاعدة المئذنة. كما جرى الحفاظ على الألواح الرخامية وبلاط السيراميك من نوع “إزنيق”، إلى جانب أعمال واسعة لترميم الأسقف والواجهات. وأعيد افتتاح المسجد في مايو 2015 بحضور وزير الآثار المصري آنذاك ممدوح الدماطي بعد اكتمال مشروع الترميم.
تفاصيل معمارية فريدة
يضم المسجد ثلاثة أبواب موزعة على واجهاته الغربية والشرقية والشمالية. وفقاً لمحافظة القاهرة، يبلغ عرض المسجد 80 متراً وطوله 100 متر، ويحتوي على ثلاثة أضرحة، من بينها ضريح الأمير العثماني إبراهيم أغا المستحفظان، المصنوع من الرخام الأبيض، والمحاط بجدران مكسوة بالبلاطات الزرقاء. تشكل هذه البلاطات إحدى أبرز السمات التي أكسبت المسجد اسمه المتداول.
في مدينة إسطنبول التركية، يحمل مسجد السلطان أحمد أيضاً اسم “الجامع الأزرق” نسبة إلى اللون الذي يغلب على زخارفه الداخلية. شُيّد مسجد السلطان أحمد بين عامي 1609 و1616، وتكتسي جدرانه الداخلية بأكثر من 20 ألف قطعة سيراميك منقوشة يدوياً باللون الأزرق.
قيمة سياحية وتسويق متخصص
لا تقتصر أهمية الجامع الأزرق بالقاهرة على قيمته التاريخية والمعمارية، بل تمتد إلى إمكاناته في جذب المهتمين بالتراث الإسلامي. في هذا السياق، رأى شاكر أن الآثار الإسلامية المملوكية والعثمانية في منطقتي الدرب الأحمر وشارع المعز، بما تضمانه من عناصر معمارية وفنية نادرة، تمتلك مقومات جذب سياحي عالمية. دعا إلى إعداد برامج سياحية متخصصة تستهدف أسواقاً محددة، بينها دول جنوب شرق آسيا والمهتمون بالعمارة التاريخية والتراث الإسلامي. وشدد على أهمية الانتقال من التسويق السياحي العام إلى التسويق المتخصص، بما يتناسب مع تنوع الأنماط السياحية.
أكد شاكر أن الاستثمار الأثري والتطوير العمراني في القاهرة التاريخية يحتاجان إلى منظومة تسويق رقمية ودولية موازية. ويرى أن هذه الخطوة من شأنها تعظيم العائد الاقتصادي وإبراز مكانة التراث الإسلامي المصري على المستوى العالمي.




