الكويت تحث العراق على تحرك فاعل لكشف مصير المفقودين وإعادة الأرشيف الوطني

جددت دولة الكويت مطالبتها لجمهورية العراق باتخاذ إجراءات جادة وملموسة لاستكمال الالتزامات المرتبطة بالكشف عن مصير الأسرى والمفقودين الكويتيين ورعايا البلدان الثالثة، إلى جانب استعادة الممتلكات الكويتية بما يشمل الأرشيف الوطني. وشددت الكويت على أن استمرار المماطلة في تنفيذ هذه الالتزامات بات يستوجب خطوات عملية ونتائج واضحة.
جاء ذلك في كلمة ألقاها مساعد وزير الخارجية لشؤون الأسرى والمفقودين السفير ربيع العدساني أمام جلسة مجلس الأمن الدولي المخصصة للعلاقات بين الكويت والعراق.
تحذير من استمرار التأخير
أوضح السفير العدساني أن التقرير الأول للأمين العام للأمم المتحدة، الصادر في الأول من أكتوبر 2026، أكد عدم إحراز أي تقدم خلال الفترة التي غطاها التقرير، واستمرار وجود 315 مفقوداً، من بينهم 308 أشخاص مدرجون في القائمة التي قدمتها دولة الكويت.
وبين أن التحدي بعد أكثر من 35 عاماً لا يقتصر على ندرة المعلومات الجديدة، بل يشمل أيضاً عدم استكمال متابعة المعلومات والشهادات المعروفة مسبقاً، وتأخر تنفيذ إجراءات وتعهدات تم الاتفاق عليها منذ سنوات.
وأشار إلى أن الكويت تلقت تعهدات عراقية متكررة بتسهيل مقابلة شهود ومسؤولين سابقين يُعتقد أنهم يمتلكون معلومات مهمة عن مصير المفقودين، لكن هذه التعهدات لم تتحول جميعها إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع.
ومن بين هذه التعهدات، تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من مقابلة تسعة ضباط محتجزين من مسؤولي النظام العراقي السابق، وهي مقابلات لم تُنجز حتى الآن.
ولفت العدساني إلى أن أحد مسؤولي النظام العراقي السابق، الذي شغل منصب ما يُسمى “مدير أمن الكويت” خلال فترة الغزو العراقي، كان من المفترض مقابلته للاطلاع على معلوماته حول المحتجزين والمفقودين والأرشيف الوطني، إلا أن تنفيذ حكم الإعدام بحقه في فبراير 2026 حال دون إجراء المقابلة، رغم موافقة الجانب العراقي عليها.
ونبه السفير إلى أن التأخير في مقابلة الشهود المعروفين يؤدي إلى فقدان مصادر محتملة للمعلومات بصورة نهائية، وشدد على ضرورة تنفيذ المقابلات المتفق عليها وإزالة العقبات الإدارية التي تعوق استكمالها.
ملف الخميسية ورفات المفقودين
وفيما يتعلق بموقع “الخميسية”، قال العدساني إن المعلومات والإفادات المتاحة تشير إلى احتمال وجود رفات ما بين 150 و180 مفقوداً كويتياً في عدد من مواقع الدفن المحتملة.
وأوضح أن أحد الشهود العراقيين أدلى بإفادات موثقة تضمنت معلومات عن مواقع دفن محتملة وإحداثيات وأسماء أشخاص داخل العراق وخارجه قد يمتلكون معلومات إضافية، لكن متابعة هذه الإفادات لم تستكمل حتى الآن.
وأضاف أن تقييماً فنياً مشتركاً لأحد المواقع المحتملة في منطقة الخميسية أُنجز بمشاركة الجانب العراقي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن الجانب العراقي طلب مزيداً من الدراسة، رغم مشاركة فريقه الفني في معاينة الموقع منذ مطلع سبتمبر 2026.
وشدد على ضرورة أن تفضي متطلبات السلامة والتصاريح إلى إجراءات تنفيذية واضحة، بدلاً من استمرار تعليق العمل دون موعد محدد، بما يتيح للفرق الفنية استكمال مهامها.
الممتلكات الكويتية والأرشيف الوطني
حول الممتلكات الكويتية المفقودة، بما فيها الأرشيف الوطني، أعرب السفير العدساني عن قلق دولة الكويت إزاء استمرار عدم إحراز أي تقدم جوهري في هذا الملف، مؤكداً أن وثائق سيادية وتاريخية مهمة لا تزال مفقودة.
ودعا الحكومة العراقية إلى وضع آلية واضحة وجدول زمني محدد للبحث الفعلي عن هذه الممتلكات والوثائق، من خلال تتبع مسارات نقلها خلال فترة الغزو، وتحديد الجهات والأشخاص الذين تولوا حفظها أو نقلها، والتحقق من المواقع المحتملة لوجودها.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أعادت إلى العراق أرشيف النظام العراقي السابق مرتين، إحداهما العام الماضي بصيغة رقمية، معتبراً أن ذلك يوفر فرصة للاستفادة من أدوات البحث والتحليل الرقمي المتقدم، بما فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، للتحقق مما قد تتضمنه هذه المواد من معلومات تساعد على تتبع الممتلكات الكويتية أو تحديد الجهات التي تعاملت معها.
وأكد أن المسؤولية الأساسية عن البحث عن الممتلكات الكويتية التي أُخذت خلال الغزو، وتحديد أماكنها وإعادتها، تقع على عاتق الحكومة العراقية وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.
وفي إطار دعم جهود البحث، أوضح السفير أن دولة الكويت قدمت، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المعلومات والوثائق وصور الأقمار الصناعية والتقييمات الفنية اللازمة، بالإضافة إلى مليون دولار تُقدم سنوياً لمساعدة اللجنة في هذا المجال.
ولفت إلى استعداد الكويت لتوفير أي مساعدة إضافية تحتاج إليها الجهات العراقية المختصة، بما يسهم في تسريع البحث واستكمال الالتزامات المتبقية.
دعوة إلى قياس الأداء والنتائج
فيما يتعلق بالمتابعة الأممية، دعا السفير العدساني إلى الانتقال من مجرد تسجيل الأنشطة والتعهدات إلى قياس مستوى التنفيذ والنتائج، مشيراً إلى أن دولة الكويت سبق أن قدمت مقترحاً يتضمن 13 مؤشراً لقياس الأداء بهدف متابعة الالتزامات القائمة وتحديد مواضع التعثر وأسبابها.
وشدد على أهمية أن توضح التقارير المقبلة ما تم الاتفاق عليه، وما نُفذ فعلياً، وما لم يُنفذ، وأسباب التأخير، والجهات المسؤولة عن استكمال الإجراءات المطلوبة.
وأشار إلى أهمية هذه المسألة مع اقتراب المراجعة المقررة في يونيو 2028، والتي ستستند إلى أربعة تقارير موضوعية فقط في إطار ولاية الممثلة رفيعة المستوى، بدلاً من خمسة وفق الجدول الزمني المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن رقم 2792 لعام 2025.
وأعرب العدساني عن تقدير دولة الكويت للدور المحوري الذي اضطلع به مجلس الأمن على مدى العقود الماضية في متابعة الملفات الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار الاهتمام الجماعي من أعضاء المجلس بهذه الملفات.
وجدد دعم البلاد الكامل لولاية الممثلة رفيعة المستوى للأمين العام المعنية بتنفيذ القرار 2792، ماري ياماشيتا، معرباً عن التطلع إلى أن تسهم جهودها في معالجة العقبات القائمة وتحقيق تقدم ملموس قبل موعد المراجعة.
وأكد السفير أن دولة الكويت تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع العراق الشقيق، وتحرص على تعزيز التعاون الثنائي على أساس الاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وبين أن الهدف الأساسي لدولة الكويت ليس إطالة أمد هذه الملفات أو استمرار بقائها مفتوحة، بل إغلاقها بنجاح وفي أسرع وقت ممكن من خلال الكشف عن مصير جميع المفقودين واستعادة الممتلكات الكويتية بما فيها الأرشيف الوطني.
واختتم العدساني كلمة الكويت بالتأكيد على أن هذا الملف، قبل أن يكون التزاماً بموجب قرارات مجلس الأمن، هو قضية إنسانية تمس حياة أسر كويتية لا تزال تنتظر منذ أكثر من 35 عاماً معرفة مصير أبنائها وآبائها.
وقال إن هناك أسراً لا تزال تتمسك بالأمل في معرفة الحقيقة، وإن أقل ما يمكن تقديمه لها هو عدم السماح بضياع فرص الكشف عن مصير ذويها، والعمل بكل جدية لإنهاء معاناتها، مؤكداً أن “من حقها أن تعرف، ومن واجبنا ألا نتوقف حتى تعرف”.




