الفتوحات الإسلامية في سياق الصراع الإمبراطوري: غزة القديمة والجديدة
في تحليل جديد للفتوحات الإسلامية، يُشدد باحثون على ضرورة النظر إلى هذه الفتوحات من منظور الصراع بين الإمبراطوريات المتنافسة (العربية والفارسية والرومانية)، وليس من زاوية الصدام الديني البسيط. فالجيوش العربية لم تكن تحارب شعوباً بمجردها أو سكاناً محليين أو أتباع أديان، بل كانت تواجه قوات عسكرية تابعة للإمبراطوريات.
طبيعة الجيوش العربية ومواجهة الإمبراطوريات
يُستشهد في هذا السياق بموقف عمرو بن العاص عندما توجه بجيوشه نحو مصر، حيث واجه الإمبراطورية الرومانية وتحرك في مجال نفوذها. لم يحارب عمرو بن العاص الأقباط المصريين العاديين أو أتباع المسيحية فيها، بل واجه جيوش الإمبراطورية الرومانية المتموضعة في مصر. وبالتالي، لم يتعامل الأقباط والنبط مع جيوش عمرو بن العاص باعتبارها “غزاة جدد”، بل نظروا إليها بصفة جديدة تماماً، إذ رأوا فيها خلاصاً يمكن أن يكون النسخة الأولى من الخلاص من السيطرة الرومانية القديمة.
الإمبراطوريات وسياسة الحدود: الشرق الأوسط من روما إلى الأمم المتحدة
في كتاب “الإمبراطوريات: مطلب الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية”، يتحدث الباحث ألفريد مكوي (فريد مونكور) عن الفرق الجيوسياسي بين الإمبراطورية والدولة: “ليس هناك إمبراطورية تستطيع اتخاذ موقف حاد إزاء الحدود التي ترغب بالانتماء إلى مجالها. وبناءً على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبرة بذاتها على عدم الاعتراف بحجم هذه الحدود والتدخل في شؤونها بحجم ما تتدخل هي به. هذا الموقف الحاد موجود فقط في إطار نظام عالمي يتميز بنموذج الدول ذات السيادة.”
العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطوريات، وهذا التقسيم حاسم جداً لفهم الفتوحات الإسلامية، والتوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى ليس استثناءً بل شرط بناء عالم يُعاد تشكيله ليكون مفتوحاً للصراع على النفوذ والهيمنة، وبالدرجة الأولى صراع على البقاء والاستمرارية. والتوسع الجغرافي في منطق الإمبراطورية لا يُنظر إليه بمنطق أخلاقي بسيط، فالتوسع في العصور القديمة – أحياناً – يكون ضرورة بيولوجية لحماية الأطراف، أو منع صعود المنافسين والقوى التي تتعامل مع من بدأ الحادِث يتعرض للانهيار والتفكك.
الجيوش الإسلامية بين شعوب الإمبراطوريات وولاءات الحاضر
يطرح الكاتب سؤالاً بسيطاً: لماذا نلزم المسلم في حدوده، بينما في الحقيقة يُطرح سؤال حديث ومهم في المجتمعات الحديثة، لتسليط الضوء على منطق الحاضر في عالم لا يعرف أصلاً فكرة الحدود القومية الثابتة. الجيوش الإسلامية عندما تحركت تجاه الشام كانت تواجه: حاكمات وجيوشاً نظامية ضاربة وإدارة إمبراطورية قائمة، أو أن السكان المحليين نظروا إلى الجيوش الإسلامية كغزاءٍ غرباء، بل بصفة جديدة قد تحررهم من الصفة السابقة، بل على أن الجيوش العربية لا تواجه مقاومة شعبية كما نعرفه في المجتمعات الحديثة.
الفتوحات الإسلامية: مشروع حضاري إمبراطوري متعدد الأعراق
كانت الفتوحات الإسلامية مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى، وهي تختلف عن بنية الإمبراطوريات (الرومانية/الفارسية) من ناحية مصدر الشرعية والرؤية الكونية، والفتح الإسلامي المبكّر حمل تصورات مختلفة لسبل الاهتمام فكرة دينية وعربية وغير عربية يمكن – نظرياً – أن تصبح جزءاً من الأمة نفسها. كانت الأهداف الرئيسية نشر العقيدة الدينية الجديدة، وما تحقق بعد ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية مجرد نتائج تحققت بالتبعية.
وكانت الإمبراطورية الإسلامية فضاءً حضارياً متعدد الأعراق والأديان، منتَجاً للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزيجاً ثقافياً فريداً تَراكَم حضارياً وشبكات معرفية واسعة، شاركت فيه شعوب ذات أصول ثقافية ومعرفية مختلفة. الفتوحات الإسلامية لا يمكن فهمها بأدوات وعلميات المجتمعات المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل باعتبارها ظاهرة دولة حضارية، تشكلت داخل نظام عالمي محكوم بمنطق الإمبراطورية الذي كان التوسع والهيمنة جزءاً من طبيعته وتكوينه.
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
