ضغوط دولية متزايدة على البرهان مع انتقال الملف من نيويورك إلى سويسرا

ضغط دولي متصاعد وانتقال الملف من نيويورك إلى سويسرا
تشهد الجهود الدولية لوقف حرب السودان تصاعداً في الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تستهدف قيادة الجيش وسلطة بورتسودان، مع استعداد الملف للنقل خلال الأيام المقبلة من مجلس الأمن الدولي في نيويورك إلى اجتماع مرتقب للرباعية والخماسية في سويسرا، وذلك في محاولة لتوحيد مسار وقف إطلاق النار مع مسار الانتقال إلى حكم مدني.
تفاصيل جلسة مجلس الأمن الجمعة
سيعقد مجلس الأمن يوم الجمعة جلسة علنية تتبعها مشاورات مغلقة استناداً إلى القرار 2715 الذي يلزم الأمين العام بتقديم إحاطة كل مائة وعشرين يوماً حول مساعي الأمم المتحدة لدعم السلام والاستقرار في السودان. ومن المنتظر أن تقدم وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو إحاطتها أمام الجلسة العلنية، بينما يطلع المبعوث الشخصي للأمين العام إلى السودان بيكا هافيستو أعضاء المجلس خلال المشاورات المغلقة على تفاصيل اتصالاته مع أطراف الحرب والقوى الإقليمية والدولية.
مواضيع النقاش والتقارير الميدانية عن الحرب والأزمة الإنسانية
من المتوقع أن تتركز المناقشات على توسع استخدام الطائرات المسيّرة وارتفاع عدد الضحايا بين المدنيين، بالإضافة إلى خطر امتداد القتال إلى دول الجوار، وتفوق أزمة الجوع وتعطيل وصول المساعدات الغذائية والطبية، والانتهاكات التي يُنسب ارتكابها إلى طرفي النزاع. وتأتي هذه النقاط عقب تقارير عن مقتل مدنيين في غارات جوية وهجمات بالمسيّرات، واستهداف شاحنات متعاقدة مع برنامج الأغذية العالمي بين منطقتي الدلنج وكادوقلي، في وقت يواجه فيه نحو عشرين مليون سوداني جوعاً حاداً، يعيش مئتان ألف منهم في ظروف كارثية من انعدام الأمن الغذائي.
اجتماع سويسرا، رسالة البرهان إلى ترامب وتقييم الخطوات القادمة
لن تكون جلسة مجلس الأمن محطة منفصلة عن الحراك السياسي المتصاعد؛ بل من المتوقع أن تجتمع الرباعية (الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر) والخماسية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وإيغاد وجامعة الدول العربية) في سويسرا يومي العشرين والحادي والعشرين من أكتوبر لتنسيق جهود وقف النار والإعداد لمسار سياسي يفضي إلى انتقال مدني شامل. ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة لأنه يسعى إلى ربط المسار الأمني المتعلق بالهدنة ووقف إطلاق النار بالمسار السياسي الذي يحدد مستقبل الحكم عبر عملية سودانية شاملة بعيداً عن احتكار الجيش وقوات الدعم السريع للقرار السياسي، وذلك استناداً إلى تأكيدات المجموعة الدولية التي اجتمعت على هامش الجمعية العامة بأن مستقبل الحكم يجب أن يقرره السودانيون عبر عملية مدنية شفافة وشاملة، دون أن تعرقلها الأطراف المسلحة أو القوى الخارجية، وداعية طرفي الحرب لاستئناف المفاوضات والوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإدانة القصف الجوي وهجمات المسيّرات على المدنيين والبنية التحتية وقوافل الإغاثة.
وبذلك قد يمثل اجتماع سويسرا الخطوة الدبلوماسية الأهم منذ رفض البرهان الهدنة الإنسانية الأميركية، خصوصاً إذا نجح في إنتاج موقف موحد يربط وقف القتال بإطلاق انتقال مدني ويضع آليات واضحة للرقابة والمساءلة.
وقبل جلسة مجلس الأمن، صرح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بأنه بعث رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد فيها استعداد سلطة بورتسودان للعمل «حسن نية» مع جميع الأطراف من أجل تحقيق سلام عادل ودائم. لكن هذه الرسالة جاءت بعد أسابيع من رفض البرهان الضغوط الأميركية وتمسكه بالحسم العسكري، وبعد أن منعت واشنطن منحه تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة، وربطت مصادر هذه الخطوة برفضه الموافقة على هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً.
لذلك لا تُعد رسالة البرهان في حد ذاتها تحولاً سياسياً مثبتاً، بل تبدو تراجعاً لفظياً تحت ضغط العزلة الأميركية واقتراب الاجتماعات الدولية الحاسمة، إذ لم يصدر حتى الآن إعلان واضح من البرهان بقبول الهدنة من دون شروط، أو تحديد موعد للعودة إلى التفاوض، أو الالتزام بوقف الغارات وتسهيل وصول المساعدات.
ويزيد الشك في صدقية التحول أن مستشاراً بارزاً لسلطة بورتسودان انتقد قبل أسابيع الخطة الأميركية، بينما ظل قائد الجيش البرهان يشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن قبل الدخول في وقف شامل لإطلاق النار، وهو شرط تعجيزي مثّل عقبة متكررة أمام مبادرات السلام.
إن محاولة رسالة البرهان إعادة تقديمه إلى واشنطن كشريك محتمل في السلام لا تساوي قبول الخطة الأميركية، إذ أن الحديث عن «حسن النية» لا يوقف الطائرات ولا يفتح الممرات الإنسانية. والاختبار الحقيقي واضح: قبول هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، ووقف الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية، والسماح بوصول الإغاثة، ثم الدخول في مفاوضات جادة تؤدي إلى وقف دائم للحرب وانتقال مدني لا يمنح سلطة بورتسودان شرعية جديدة تحت غطاء التسوية.
ومن نيويورك إلى سويسرا، تضيق مساحة المناورة أمام البرهان. فإما أن يحول رسالته إلى التزام عملي قابل للتحقق، أو يكشف استمرار القتال أن حديث السلام لم يكن سوى محاولة لكسر العزلة وكسب الوقت، بينما يواصل السودانيون دفع ثمن حرب تتمسك بها قيادة عسكرية أملاً في الاحتفاظ بالسلطة.




