تحذيرات من اكتظاظ السجون التونسية وتجديد الدعوات للعقوبات البديلة

مقدمة
تشهد السجون التونسية زيادة ملحوظة في عدد النزلاء، ما أثار تحذيرات منظمات حقوقية ودعوات لتوسيع تطبيق العقوبات البديلة لتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية.
أرقام وإحصاءات الاكتظاظ
وفقًا لتصريحات رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في مايو/أيار الماضي، ارتفع عدد السجناء بنحو عشرة آلاف خلال الأربع سنوات الأخيرة، منتقلًا من 23 ألفًا إلى حوالي 33 ألف سجين، بينما لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية 17 ألفًا، ما يجعل نسبة الإشغال تقارب 194 بالمئة، أي ما يقرب من ضعف القدرة الاستيعابية.
تحذيرات منظمات حقوقية
رئيس الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية الحسين بوشيبة وصف الزيادة بأنها أزمة هيكلية، مشيرًا إلى أن آخر تحديث للبيانات على موقع الهيئة العامة للسجون والإصلاح يعود إلى 21 فبراير/شباط 2021. وأوضح أن الاكتظاظ يفضي إلى تدهور ظروف الإقامة، وضغط على الخدمات الصحية والنفسية، وصعوبة توفير النظافة والتهوية والمساحات اللازمة، بالإضافة إلى زيادة الأعباء على العاملين واحتمالات التوتر والعنف. وحذر من تفاقم الوضع خلال الصيف، لاسيما بين المرضى وكبار السن، وتأثيره على برامج التعليم والتأهيل وإعادة الإدماج. وتساؤله عن مدى توافق سياسة اللجوء للسجن مع قدرة المنظومة على الاستيعاب والإصلاح وإعادة الإدماج، ودعا إلى نشر إحصائيات محدثة وشفافة، واعتبر أن الإمكانيات المحدودة لا تبرر تعطيل القانون، لكنه شدد على أن إنفاذ القانون لا يعني بالضرورة اللجوء إلى السجن في كل الحالات، ورأى أن الحل يكمن في ترشيد السياسة الجزائية عبر توسيع العقوبات البديلة، وتسريع البت في القضايا، واحترام الآجال المعقولة للمحاكمة، وتحسين ظروف الاحتجاز وتعزيز برامج التأهيل وإعادة الإدماج. وأضاف أن أوضاع سجناء الرأي والموقوفين بموجب المرسوم 54 تستحق مراجعة جدية، خاصة مع التحركات الجارية لتنقيحه خلال الأسبوع الجاري. وأشار إلى أن المرسوم 54 الصادر في سبتمبر/أيلول 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال يواجه انتقادات حقوقية لاستخدامه في تقييد حرية التعبير. وشدد على ضرورة سياسة جزائية متوازنة تكون حازمة تجاه الجرائم الخطيرة ومنظمة، وعقلانية ورحيمة في اللجوء إلى السجن، وفعالة في استعمال البدائل، ودعا إلى الانتقال من منطق العقاب بعد وقوع الجريمة إلى الوقاية قبل وقوعها دون إضعاف دور الأمن والقضاء. وفيما يخص المخدرات، أوصى بالتمييز بين المستهلك المحتاج للعلاج وإعادة الإدماج وبين المروج وشبكات الاتجار والجريمة المنظمة. أما الوقاية من العنف فتبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والحي عبر التربية على الحوار، ومكافحة التسرب المدرسي، ودعم الشباب في أوضاع الهشاشة، وتوفير الأنشطة الرياضية والثقافية. وختم بأن الأمن ضروري لمواجهة الجريمة الخطيرة لكنه وحده غير كافٍ، بل يحتاج إلى الوقاية والعلاج والتربية والعدالة الناجعة وإعادة الإدماج.
موقف المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب
رئيس المنظمة شكري لطيف حذر من أن الاكتظاظ يولّد ظروف احتجاز قاسية تهدد سلامة السجناء وكرامتهم وحقهم في الحياة، موضحًا أنه يسهم في تفشي الأمراض المعدية بما فيها الجلدية والتنفسية. وأضاف أن اقتران الاكتظاظ بضعف التهوية وانقطاع الكهرباء قد يؤدي إلى الاختناق وأزمات التنفس والسكتات القلبية والدماغية، خصوصًا لدى كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة. واعتبر أن هذه الظروف تناقض العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صدقت عليه تونس، وقواعد نيلسون مانديلا للمعايير الدنيا لمعاملة السجناء، والقانون التونسي رقم 52 لسنة 2001 الذي يضمن للسجين السلامة الجسدية والمعنوية والرعاية الصحية والنفسية. ورأى أن الاكتظاظ ومحدودية الإمكانيات اللوجستية وموجة الحر الشديدة خلال الصيف الماضي عرضت صحة محتجزين وحياتهم لخطر المرض والموت. ودعا إلى صيانة المؤسسات السجنية وتزويدها بوسائل تهوية وتبريد وتدفئة، وتوفير أطقم صحية دائمة داخلها. كما طالب بالإفراج وفق الإجراءات القانونية عن الموقوفين والمحكومين في قضايا الجنح البسيطة، وعن كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، وعن سجناء الرأي والمحكومين بموجب المرسوم 54. وشدد على تفعيل العقوبات البديلة التي تشمل الصلح الجزائي والعمل للمصلحة العامة والسوار الإلكتروني والغرامات المالية، لا سيما في الجنح المرتبطة بالفقر.
رأي ائتلاف أحرار
المتحدث باسم ائتلاف أحرار المساند لإجراءات 25 يوليو/تموز 2021 أحمد الهمامي أكد أن السجون التونسية تعاني اكتظاظًا كبيرًا، مبينًا أن نسبته فاقت 200 بالمئة من طاقة الاستيعاب. واقترح الإفراج عن المحكومين بعقوبات تقل عن سنة سجنا مقابل أداء أعمال مدنية أو الخضوع للمراقبة بالسوار الإلكتروني، مؤكدًا أن ذلك يتطلب تحركًا من وزارتي العدل والداخلية ورئاسة الجمهورية. ودعا مجلس نواب الشعب إلى تعديل المجلة الجزائية (قانون العقوبات) التي لم تشهد تعديلات جوهرية منذ نحو أربعين سنة، باتجاه توسيع العقوبات البديلة، مع تقليل مدة الإيقاف على ذمة التحقيق التي قد تصل إلى 14 شهرًا. واعتبر أن العقوبات البديلة أفضل من بناء سجون جديدة، مشيرًا إلى أن التزام الدولة بتطبيق القانون لا يمنع توسيعها. ولفت إلى اهتمام الرئاسة بهذا التوجه، مستشهدًا بخطة لوزارة العدل لتطبيق السوار الإلكتروني وتجربة للعقوبات البديلة شملت عددًا من السجناء بجزيرة جربة التابعة لولاية مدنين جنوب شرقي البلاد. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أعلن ممثلو وزارة العدل التونسية خلال جلسة برلمانية عن تفعيل العقوبات البديلة للسجن في 335 حالة عبر أربع آليات تشمل السوار الإلكتروني، والعمل لفائدة المصلحة العامة، والصلح بالوساطة، والتعويض. ووفقًا لمحضر الجلسة المنشور على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب، أعلنت الوزارة مواصلة استكمال النصوص المنظمة للعقوبات البديلة، والبحث عن مزودي الأساور الإلكترونية، إلى جانب مشاريع لتحسين ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية.
تصريحات رسمية ونفي تدهور
في 22 أغسطس/آب 2026 نفى الناطق باسم الهيئة العامة للسجون والإصلاح حاتم عكروت في تصريحات لوكالة تونس إفريقيا للأنباء وجود تدهور صحي عام أو إهمال في الرعاية الطبية للسجناء، مؤكدًا متابعة الحالات الصحية وفق الإجراءات المعمول بها. وسبق أن أكدت الهيئة في بيان أواخر يوليو/تموز الماضي اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة داخل المؤسسات السجنية، بما يضمن ظروف الإقامة والرعاية الصحية، ونفت ما جرى تداوله بشأن تدهور الحالة الصحية لبعض السجناء وحرمان عائلاتهم ومحاميهم من زيارتهم. ولم تتضمن التصريحات الرسمية المذكورة إحصاءً محدثًا لأعداد السجناء والطاقة الاستيعابية، وسط استمرار المطالب الحقوقية بمعالجة الاكتظاظ وتوسيع العقوبات البديلة.




