تخطَّ إلى المحتوى
الإثنين 12 أكتوبر 20261 جمادى الأولى 1448 هـ39° غائم جزئياً
المغرب 17:21 د.ك = 3.215 $
12أكتوبر2026
طبعة رقميةتُحدَّث على مدار الساعة

أخبار الكويت و الخليج و العالم

آخر الأخبار

أمريكي يعود إلى سوريا بعد سقوط الأسد لجمع أدلة لمحاكمة من عذبوه

أمريكي يعود إلى سوريا بعد سقوط الأسد لجمع أدلة لمحاكمة من عذبوه

دمشق، إسطنبول/ أحمد قره أحمد وليث الجنيدي/ الأناضول

عاد المواطن الأمريكي كيفن باتريك دوز إلى دمشق بعد نحو عقد من إطلاق سراحه من سجون نظام بشار الأسد، سعياً وراء أدلة تمكنه من تقديم المسؤولين عن تعذيبه والانتهاكات التي شهدها إلى المحاكمة.

عودة إلى مكان الاحتجاز بعد سقوط النظام

وفي مقابلة خاصة مع وكالة الأناضول، أوضح دوز أنه عاد في أكتوبر 2026 لزيارة السجن الذي احتُجز فيه، وذلك عقب انهيار نظام الأسد الذي حكم من 2000 إلى 2024. وأضاف: «أبحث عن أدلة للعثور على من ارتكبوا كل تلك الأفعال المروعة داخل السجن وتقديمهم للمحاكمة».

كما ذكر أن زيارته تهدف أيضاً إلى المساعدة في التعرف على هويات ضحايا دُفنوا في مقابر جماعية، والعمل على إعادة رفاتهم إلى ذويهم.

الاعتقال والتعذيب منذ دخول سوريا

بدأ نظام بشار الأسد في عام 2011 قمع احتجاجات شعبية كانت تطالب بتداول سلمي للسلطة. وفي العام التالي، دخل دوز سوريا حاملاً شحنة من المستلزمات الطبية، قائلاً: «كانت نيتي إيصال المستلزمات إلى مناطق القتال، لتخفيف معاناة الشعب السوري في ظل ما كان يواجهه من نظام بشار الأسد».

وأكد أن قوات النظام أوقفته في 3 أكتوبر 2012 بعد وقت قصير من عبوره الحدود، ونقلته إلى مركز احتجاز حيث بقي نحو ثلاث سنوات ونصف. ويعتقد أنه احتُجز في الفرع 248 بدمشق.

وعن التعذيب الذي تعرض له، قال دوز: «تعرضت للإغراق والضرب والتشويه، فقدت جزءاً كبيراً من قدمي اليمنى، وما زلت أواجه صعوبة في المشي». وأضاف أنه أصيب بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الكلام لفترة، ولا يزال يعاني نوبات من الحبسة الكلامية عند التعرض للضغط.

وتابع: «أخذوا مني جميع البطانيات، ووضعوني في زنزانة شديدة البرودة، وقيدوني بسلاسل إلى القضبان لمدة أسبوع وربما أكثر». وشمل التعذيب الضرب المتكرر على القدمين والحرمان من الطعام، مما أدى إلى انخفاض وزنه إلى نحو 36 كيلوغراماً. وأردف: «كانوا يجوعونني، كان الطعام قليلاً ثم تناقص تدريجياً، وكنت أحصل أحياناً على خبز سبق لشخص آخر أن أكل جزءاً منه». وأكمل: «كنت أسرق الطعام من القمامة في الحمام، خصوصاً ما كان الحراس يتركونه بعد تناول وجباتهم».

مشاهد مروعة لتعذيب طفلين حتى الموت

من بين المشاهد التي لا تزال تطارده، قال دوز: «عذبوا طفلين حتى الموت أمام عيني، كانا ربما في الثامنة أو العاشرة». وأضاف: «كان (أحدهما) يستيقظ صارخاً وباكياً، أعتقد أنه كان يحلم بأنه في منزله، وعندما يستيقظ ويكتشف أنه داخل السجن، يبدأ بالصراخ».

وأوضح أن أحد الحراس كان يتعامل مع الطفل بطريقة توحي باللطف، حيث كانوا يلعبون معه ويكلفونه بأعمال صغيرة ليكسبوا ثقته، ثم يخرجونه في اليوم التالي من زنزانته ويعذبونه مجدداً. ووفق دوز، فقد توقف عن سماع صوت الطفل في ديسمبر 2013، وظن في البداية أنه أُفرج عنه. لكنه علم بعد إطلاق سراحه، عندما اطلع على الصور المعروفة باسم «صور قيصر» التي توثق جثث معتقلين بسجون النظام السابق، أن الطفل قُتل بعدما تعرض للتجويع والتعذيب. وأضاف: «علمت أنه جُوّع حتى أصبح هيكلاً عظمياً، وأن عينيه أُحرقتا».

وشدد دوز على أن «مئات، إن لم يكن آلاف السوريين، مروا عبر تلك الممرات والبوابات (من المعتقل) إلى قبورهم». وأضاف أن أعداد الجثث بلغت حداً دفع القائمين على المعتقل إلى تكديسها داخل أكياس على سطح أحد المباني. وأوضح أن هذه المشاهد تدفعه إلى البحث عن أدلة قد تساعد في تحديد هويات الضحايا وأماكن دفنهم، مؤكداً استعداده للمساعدة في التعرف على مواقع المقابر الجماعية ورفات المفقودين، بما يتيح للعائلات معرفة مصير أبنائها.

دور الطبيب البريطاني عباس خان في إنقاذ حياته

وعن معاناته داخل المعتقل، قال دوز: «كانت أصعب اللحظات خلال الاستجواب، كانوا يعذبونك ويدفعونك إلى الكذب، ثم يجبرونك على كتابة اعترافات أو تسجيلها أمام الكاميرا». وأضاف أن الضرب كان شديداً إلى درجة تتسبب بإصابات متكررة، فيما كان شخص يقدم نفسه بوصفه طبيباً يتولى معالجة الجروح مؤقتاً، لكن كل ذلك كان يُعاد تمزيقه في اليوم التالي تحت مزيد من التعذيب.

وكشف دوز عن علاقته بالطبيب البريطاني عباس خان، الذي قُتل بأحد معتقلات دمشق في ديسمبر 2013. وكان خان جراح عظام اعتقلته أجهزة نظام الأسد في نوفمبر 2012 أثناء تطوعه لعلاج الجرحى بمدينة حلب شمالاً. وقال دوز إن عباس كان محتجزاً في زنزانة قريبة من زنزانته، وإنهما تواصلا بالصراخ من تحت الأبواب، وأبرما اتفاقاً بأن من يصل إلى الغرب أولاً عليه أن يخبر العالم بأن الآخر حي ومحتجز.

وتمكن عباس، عبر والدته التي نجحت في العثور عليه وزيارته، من إيصال معلومات عن احتجاز دوز إلى خارج سوريا، مما ساعد في كشف مكانه لدى الجهات الأمريكية التي عملت لاحقاً على إطلاق سراحه. واعتبر دوز أن عباس ساهم في إنقاذ حياته، مؤكداً امتنانه لما فعله رغم أن عباس لم ينج.

وفي 16 ديسمبر 2013، أبلغت أجهزة النظام السابق عائلة عباس بأنه انتحر أثناء احتجازه، لكن تحقيقاً قضائياً بريطانياً خلص في 27 أكتوبر 2014 إلى أنه كان ضحية «قتل غير مشروع».

المراحل الأخيرة من الاحتجاز والإفراج

ووفق دوز، فإنه كان يجري لقاءات مع ممثل دبلوماسي تشيكي يتولى رعاية المصالح الأمريكية في سوريا، بالتزامن مع استمرار استجوابه من أجهزة النظام السابق. وقال إن المحققين كانوا يمتلكون تسجيلات لمحادثات أجراها أصدقاؤه وأفراد عائلته في الولايات المتحدة. وأضاف أنه قرر خلال إحدى المكالمات المجازفة بكشف معلومات قد تساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي «إف بي آي» في تحديد هوية أشخاص مرتبطين بتلك التسجيلات، فبدأ يصرخ بأسماء ومعلومات واقتباسات تكفي لمساعدة المكتب على تحديد مواقعهم. وبحسب دوز، توقفت بعدها اللقاءات الدبلوماسية والمساعدات الغذائية التي كانت تصله، وأُعيد لفترة قصيرة إلى التعذيب.

وأضاف أنه بعد أشهر، أُخرج من زنزانته دون إبلاغه بوجهته، معتقداً أنهم سيأخذونه لتنفيذ حكم الإعدام، لكنهم سلموه في المطار إلى رجال قالوا إنهم من القوات الخاصة الروسية. وأوضح أنه نُقل من دمشق على متن رحلات جوية وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين، ووصل في النهاية إلى موسكو، حيث نُقل إلى مبنى علم لاحقاً أنه تابع لوزارة الخارجية الروسية. وتابع: «كنت أعتقد أنني ما زلت في سوريا وسيضربونني مجدداً عند وصولي إلى سجن مثل صيدنايا أو عدرا». لكنه فوجئ بوصول مسؤولين أمريكيين لتسلمه، ونقله إلى السفارة الأمريكية في موسكو حيث تلقى رعاية طبية عاجلة، ثم نُقل بعدها إلى قاعدة عسكرية أمريكية في ألمانيا لاستكمال علاجه قبل عودته إلى الولايات المتحدة.

وفي 8 أبريل 2016، أكدت الخارجية الأمريكية إطلاق سراح مواطن أمريكي كان محتجزاً لدى السلطات السورية، مشيدة بجهود روسيا وتشيكيا في تسهيل الإفراج عنه. ولم تعلن الوزارة آنذاك الاسم لأسباب تتعلق بالخصوصية، لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا لوسائل إعلام أن المفرج عنه هو دوز.

آثار التعذيب والعدالة الانتقالية

بعد سنوات، لا يزال دوز يعاني آثار الإصابات التي تعرض لها في المعتقل، ومنها فقدان جزء من قدمه اليمنى وصعوبات الحركة والكلام. ورغم ذلك، قال: «أشعر أنني محظوظ لأن لدي رؤية فريدة لحملة الاضطهاد التي شنها الأسد ضد شعبه في سوريا، وهي رؤية لم تتح لكثيرين».

وتأتي عودة دوز إلى سوريا في ظل مسار للعدالة الانتقالية بدأته السلطات السورية الجديدة، إذ أُحدثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم رئاسي في مايو 2025، لكشف الحقيقة بشأن انتهاكات النظام السابق ومساءلة المسؤولين عنها. ويأمل دوز أن تساهم شهادته وما يمكن جمعه من أدلة داخل مراكز الاحتجاز السابقة في تحديد المسؤولين عن الجرائم، وكشف مصير الضحايا وإنصاف عائلاتهم. وقال: «لن نتمكن من منع تكرار هذه الفظائع ما لم نفهم لماذا حدثت، وما الذي جعل مثل هذه الأفعال ممكنة».