تونس والجزائر تبحثان إنشاء محطة كهرباء بقدرة 1400 ميغاواط لمواجهة نقص الطاقة

مشروع محطة 1400 ميغاواط
تونس والجزائر تدرسان تنفيذ مشروع مشترك لإنتاج الكهرباء بقدرة 1400 ميغاواط، وذلك بهدف تخفيف أزمة انقطاعات الطاقة التي تشهدها تونس خلال فصل الصيف.
أعلن الوزير التونسي المكلف بوزارة الصناعة والمناجم والطاقة صلاح الزواري عن المشروع بعد لقائه مع وزير الطاقة والطاقات المتجددة الجزائري مراد عجال في أوائل أكتوبر، واتفق الجانبان على إرسال وفد فني تونسي إلى الجزائر لدراسة التفاصيل الفنية لبناء المحطة في تونس، تمهيداً للشروع في أقرب وقت ممكن.
من جانبه أكد الوزير الجزائري أن الجزائر ستستمر في دعم تونس في مجال إمدادات الطاقة، وشدد على ضرورة strengthening coordination بين مجمع “سونلغاز” الجزائري والشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتوسيع نطاق التعاون لمواجهة التحديات المستقبلية.
تقييم الخبراء والتحديات
قال رئيس مركز دراسات العمل العربي المشترك والخبير في الطاقة الحبيب رابح إن المشروع مهم جداً للبلدين، وخصوصاً لتونس، مشيراً إلى أن انقطاعات الكهرباء الصيفية الماضية تسببت بأضرار كبيرة على السكان والنشاط الاقتصادي.
وأضاف أن losses في قطاع النسيج، وفقاً لرئيس غرفة قطاع النسيج والملابس، تراوحت بين 40 و60 بالمئة من النشاط الاقتصادي خلال شهري يوليو وأغسطس، ما يعادل خسائر مالية بين 233.3 مليون و366.6 مليون دولار، أي ما يعادل ناقص 2 بالمئة من الناتج المحلي الخام للربع الثالث.
وصف رابح محطة 1400 ميغاواط بأنها ضخمة وتمثل نحو ثلث القدرة المركبة الحالية في تونس، وتعتمد على الدورة المركبة التي تصل كفاءتها إلى 60 بالمئة، ما يتيح إنتاجاً كهربائياً كبيراً للبلدين.
أوضح أن المبادرة قابلة للتنفيذ نظراً لتوفر الأراضي والسواحل، ووجود ربط كهربائي بين تونس والجزائر يعود إلى خمسينيات القرن الماضي وتم تعزيزه بعد الاستقلال، ويمكن الاستفادة منه في تنفيذ المشروع.
وبيّن أن القدرة المركبة في تونس حوالي 4500 ميغاواط بينما تقارب احتياجات الذروة 7000 ميغاواط، متوقعاً أن يكون العجز القادم للصيف القادم حوالي 2500 ميغاواط؛ يمكن للمشروع أن يوفر 700 ميغاواط لكل دولة، مما يسد جزءاً من الفجوة المتوقعة.
لكنه حذر من أن المشروع لا يحل جميع إشكاليات العجز الطاقي التي تتراكم سنة بعد سنة، مؤكداً على ضرورة تكثيف الاستثمارات في القطاع.
أشار رابح إلى أهمية الربط الكهربائي، مبيناً أن تونس مرتبطة بشبكات الجزائر وليبيا، وستُربط بإيطاليا عبر مشروع “الماد” في عام 2028، وبالتالي يجب البحث عن حلول لتجنب تكرار سيناريو الصيف الماضي قبل ذلك التاريخ.
ولفت إلى أن مشاريع شبيهة بمحطة 1400 ميغاواط تحتاج عادةً إلى أربع سنوات للوصول إلى مرحلة الإنتاج المتوقعة بحلول 2030 إذا تم تسريع التنفيذ، بدءاً من اختيار المواقع المناسبة؛ والمحطات القائمة في تونس حول 400 ميغاواط، لذا فإن هذه المحطة ستكون أكثر من ثلاثة أضعاف ما هو موجود حالياً.
وأكد أن موقع المحطة ليس العامل الحاسم؛ الأهم هو أن الإنتاج يكون مشتركاً، والاستفادة من القدرة المالية والغاز الطبيعي الوفير في الجزائر، بالإضافة إلى خبرات التونسية المكتسبة عبر الفرع الدولي للشركة التونسية للكهرباء والغاز في إفريقيا وطلب السوق المحلي على الكهرباء.
خلص إلى أن المشروع جيد لكنه ليس كافٍ وحده لحل المشكلة، ويجب الاعتماد أيضاً على مصادر الطاقة المتجددة.
رؤية مسؤول جزائري
وزير الاستشراف والإحصائيات الجزائري السابق ورئيس مؤسسة “صناعة الغد” بشير مصيطفى وصف حالة قطاع الكهرباء في تونس بأنها أزمة.
ذكر أن الفجوة الكهربائية في تونس، التي يبلغ عدد سكانها 12.5 مليون نسمة في عام 2026، تصل إلى 5 جيغاواط ساعة، حيث تنتج الدولة 12.5 جيغاواط ساعة وتستهلك في ذروة الاستهلاك متوسط 17.5 جيغاواط ساعة.
وبين أن الفجوة ما تزال تُعالج جزئياً عبر الاستيراد من الجزائر بنسبة 9 بالمئة من الاستهلاك الإجمالي، أي ما يعادل 1.5 جيغاواط ساعة، وهو غير كاف بالنظر إلى ازدياد طلب الأسر خلال كل صيف.
أوضح أن طلب التونسيين على الكهرباء يُحدَد أساساً بالاستهلاك المنزلي ثم القطاع الاقتصادي، وكلاهما يظهر نمواً سنوياً ملحوظاً.
أشار إلى أن تونس اتجهت إلى الطاقات المتجددة، وخصوصاً الطاقة الشمسية، لكن نسبتها تبقى محدودة عند حوالي 9 بالمئة.
وبيّن أن تكلفة إنتاج الكهرباء من المتجددة مرتفعة بسبب قيود التمويل لدى الحكومة والقطاع الخاص، ما أدى إلى ظهور فكرة الشراكة مع الجزائر.
قال إن اتفاقاً إطارياً تم قبل أيام بين الجزائر وتونس لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 1400 ميغاواط، واعتبره مجداً من الناحية الاقتصادية.
عزا جدواه إلى قدرة الجزائر على إنتاج الكهرباء اعتماداً على مزيج طاقي، إذ إن إنتاجها هذا العام يبلغ 26.4 جيغاواط ساعة، ما يضعها في المرتبة الثانية إفريقيا بعد مصر التي تنتج 53.7 جيغاواط ساعة.
كما ذكر اتفاقاً بين تونس والجزائر والنمسا وإيطاليا وألمانيا في أكتوبر لإنتاج 40 مليون طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر المستخدم في المزيج الطاقي، والذي يمكن من خلاله توليد الكهرباء.
أضاف أن هذا الاتفاق قد يتيح لتونس الحصول على حصة مهمة من المشروع بحلول عام 2031.
اعتبر أن بناء محطة كهرباء جزائرية تونسية يمثل خطوة فنية تكمل الاستراتيجية المشتركة لضمان أمن الطاقة الكهربائية للبلدين.
تحذير خبير البنى التحتية
خبير البنى التحتية التونسي عبد الباسط السماري رأى أن المشروع التونسي الجزائري لإنتاج الكهرباء يشكل فرصة حقيقية لتعزيز القدرة الإنتاجية واستقرار الشبكة، بشرط إثبات جدواه وحسم قضايا التمويل، إمداد الغاز، وملكية المشروع.
في حديثه للأناضول أكد أن الدعم الجزائري موجود وملموس ويستحق التقدير، لكنه لا يعفي تونس من مسؤولية تأمين احتياجاتها وتطوير قدراتها الذاتية.
حذر من أن بناء الأمن الكهربائي الوطني لا يمكن أن يقوم على افتراض توفر إمدادات خارجية غير محدودة في كل الظروف.
لفت إلى أن صيف 2027 يقترب، وأن محطة لم يُحدد بعد تمويلها أو موعد إنجازها لا يمكن أن تكون خطة إنقاذ استعجالية.
طالب الحكومة والشركة التونسية للكهرباء والغاز بنشر برنامج واضح ومؤرخ قبل نهاية سنة 2026 يحدد القدرة المتاحة فعلياً، وحجم العجز المحتمل، والإضافات الممكنة قبل يونيو/ حزيران 2027، بالإضافة إلى الكلفة ومصادر التمويل.
شدد على أن الكهرباء ليست مجرد خدمة منزلية، بل شرط لاستمرار الإنتاج الصناعي، وحماية فرص العمل، والمحافظة على الصادرات والتوازنات الاقتصادية، وكل انقطاع غير مبرمج يترتب عليه كلفة تتجاوز بكثير فاتورة الكهرباء نفسها.
اختتم بالتساؤل: هل ستدخل تونس صيف 2027 بخطة تشغيلية ممولة ومضمونة، أم بمجموعة جديدة من المشاريع التي لا تزال في مرحلة الدراسة؟




