شبكات الاتجار بالبشر في ليبيا: من إعلانات الوظائف إلى الابتزاز والعبودية

شبكات الاتجار بالبشر في ليبيا: من إعلانات الوظائف إلى الابتزاز والعبودية

تبدأ رحلة المهاجرين بإعلانات وظائف على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها تنتهي في غياهب الاحتجاز والتعذيب والعمل القسري، حيث تُجبر أسرهم على دفع آلاف الدولارات كفدية. بين هاتين المحطتين، تتحول حياة الضحية إلى سلعة تتناقلها شبكات عابرة للحدود تمتد من شرق أفريقيا إلى السواحل الليبية.

تحذيرات من كينيا

أطلق النائب الكيني أحمد حسن تحذيرات من شبكات تستقطب الشباب عبر إعلانات إلكترونية تَعِدُ بوظائف ورواتب مجزية في الخارج، ثم تُنقل الضحايا عبر أوغندا وجنوب السودان وصولاً إلى ليبيا. وأوضح أمام الجمعية الوطنية أن المهاجرين يواجهون بعد وصولهم “العمل القسري والابتزاز والاحتجاز غير القانوني”، فيما تطالب الشبكات أسرهم بدفع فدية مقابل الإفراج عنهم. ودعا الحكومة الكينية إلى تعقب المسؤولين عن عمليات التجنيد والتهريب وكشف مصير المحتجزين، مشيراً إلى شبكة تُعرف باسم “ماغافي” يُشتبه في استخدامها وسائل التواصل لاستقطاب الضحايا.

لا تقتصر هذه الظاهرة على كينيا وحدها، بل تستهدف الشبكات شباناً من دول القرن الأفريقي ومنطقة جنوب الصحراء، مستغلة الفقر والنزاعات وغياب مسارات الهجرة القانونية.

تقنيات جديدة في جريمة قديمة

تقول حنين بوشوشة، مديرة إدارة الخبراء بوزارة الخارجية الليبية ونائبة مدير مركز دراسات وأبحاث الهجرة، إن الاتجار بالبشر دخل مرحلة جديدة مع استخدام التكنولوجيا ووسائل الاحتيال الإلكتروني. وأضافت لموقع “سكاي نيوز عربية” أن استمرار النزاعات في الدول المجاورة، خصوصاً على الحدود الجنوبية، يزيد المخاطر، مشيرة إلى أن السلطات الليبية تعمل على تطوير التشريعات والسياسات الوطنية لمواجهة هذه التحولات.

أرقام صادمة ونموذج أعمال عنيف

كشف تقرير مشترك لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، صدر في فبراير 2026، عن انتهاكات ممنهجة تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر والعمل القسري والابتزاز. وفي عينة شملها التقرير، قال 45 من بين 50 مهاجراً إنهم تعرضوا للتعذيب أو الضرب بهدف إجبار أسرهم على دفع مبالغ تراوحت بين 500 و10 آلاف دولار. ووثق التقرير حالة مهاجر كيني احتُجز في مدينة الكفرة، واضطرت أسرته إلى دفع 10 آلاف دولار لإطلاق سراحه، مشيراً إلى أن المهاجر الهارب قد يقع مجدداً في قبضة شبكة أخرى تطلب فدية جديدة. ووصفت الأمم المتحدة هذه المنظومة بأنها “نموذج أعمال عنيف”، تصبح فيه الانتهاكات وسيلة منتظمة لتحقيق الأرباح وليست حوادث فردية.

لا تعمل هذه المافيات بالضرورة كتنظيم واحد، بل عبر حلقات تتوزع أدوارها بين التجنيد والنقل والإيواء والاحتجاز والابتزاز، وصولاً إلى تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط. ويقول مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية أشرف بوفردة إن كثيراً من الشبكات تبدأ نشاطها في دول الساحل والقرن الأفريقي، قبل أن تتسلم مجموعات داخل ليبيا المهاجرين لاستكمال الرحلة. وأضاف لموقع “سكاي نيوز عربية” أن المسارات العابرة للسودان وتشاد والنيجر ومالي تنشط فيها شبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة، مستفيدة من اتساع الحدود وصعوبة مراقبتها. وتؤكد أرقام المنظمة الدولية للهجرة حجم البيئة المتاحة لهذه الشبكات، إذ رصدت المنظمة 943748 مهاجراً في ليبيا خلال مارس وأبريل 2026، موزعين على 100 بلدية، يتركز 53 بالمئة منهم في الغرب و36 بالمئة في الشرق و11 بالمئة في الجنوب.

الساحل.. المحطة الأخيرة وعقوبات دولية

تمثل الحدود الجنوبية بوابة الدخول الرئيسية، بينما تشكل المناطق الساحلية المحطة الأخيرة قبل محاولة عبور المتوسط. ويقول رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا عبد المنعم الحر إن شبكات الاتجار تضم عناصر من جنسيات متعددة، وقد ينتمي بعض أفرادها إلى البلدان التي يأتي منها الضحايا أنفسهم. وأضاف لموقع “سكاي نيوز عربية” أن نشاط التهريب يتركز في مناطق ساحلية تمتد من مسلاتة إلى رأس جدير، مستفيداً من ضعف السيطرة على أجزاء من الحدود والمياه الإقليمية. وأوضح أن الانقسام السياسي والمؤسساتي أضعف قدرة السلطات على تبادل المعلومات وملاحقة قادة الشبكات، داعياً إلى تعاون أمني وقضائي بين دول المنشأ والعبور والمقصد.

فرض مجلس الأمن عام 2018 عقوبات شملت تجميد الأصول وحظر السفر على ستة أشخاص اتهمهم بقيادة شبكات للاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين في ليبيا. وضمت القائمة أحمد الدباشي المعروف بـ”العمو”، الذي قُتل في ديسمبر 2025، وعبد الرحمن ميلاد الملقب بـ”البيدجا”، الذي قُتل عام 2024، ومحمد كشلاف المعروف بـ”القصب”، إلى جانب ثلاثة متهمين آخرين. وكشفت هذه العقوبات عن تداخل شبكات التهريب مع جماعات مسلحة ومسؤولين في أجهزة أمنية، غير أن مقتل بعض قادتها أو ملاحقتهم لم ينهِ النشاط، إذ تسمح الطبيعة المتشعبة للسوق بظهور مجموعات جديدة وتوزيع الأدوار سريعاً.

وبين نحو مليون مهاجر داخل ليبيا، وحدود تمتد آلاف الكيلومترات، ودولة منقسمة بين سلطات وقوى مسلحة، لم تعد المشكلة مجرد قوارب تتجه نحو أوروبا، بل اقتصاداً موازياً يحوّل الإنسان نفسه إلى سلعة قابلة للاستغلال أكثر من مرة.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك