تخطَّ إلى المحتوى
الثلاثاء 3 نوفمبر 202623 جمادى الأولى 1448 هـ30° صحو جزئياً
الفجر 04:42 د.ك = 3.209 $
3نوفمبر2026
طبعة رقميةتُحدَّث على مدار الساعة

أخبار الكويت و الخليج و العالم

آخر الأخبار

حرفي دمشقي ينفخ الزجاج بأفران عمرها قرنان.. حرفة تواجه الإنتاج الآلي

حرفي دمشقي ينفخ الزجاج بأفران عمرها قرنان.. حرفة تواجه الإنتاج الآلي

في حي باب شرقي بدمشق القديمة، لا يزال السوري أحمد حلاق ممسكًا بأنبوب النفخ أمام أفران عتيقة، محاولًا إبقاء حرفة ورثها عن والده حية رغم تراجع الإنتاج اليدوي لصالح الآلات. ورشة عائلته التي تديرها الأسرة منذ عام 1969 تضم أفرانًا يعود عمرها إلى أكثر من 150 عامًا، ويصنع فيها حلاق الأواني المنزلية والثريات والتحف الزجاجية بالطرق التقليدية.

تراجع الحرفيين وغلاء الوقود

كانت الورشة تضم في السابق نحو 15 حرفيًا، أما اليوم فيواصل حلاق، وهو أكبر إخوته، العمل فيها بمفرده. وأوضح حلاق للأناضول أن صناعة الزجاج بالنسبة لأسرته ليست مجرد مهنة بل إرث ثقافي تناقلته الأجيال حتى أصبح جزءًا من هويتها. وأضاف أنه تعلم نفخ الزجاج من والده في سن مبكرة، ويريد الحفاظ على طرق الإنتاج التقليدية لضمان استمرار الحرفة المرتبطة بتاريخ العائلة.

تراجعت سوق المنتجات الزجاجية المصنوعة يدويًا منذ نحو 40 إلى 50 عامًا مع زيادة الواردات وانتشار الإنتاج الآلي، مما جعل استمرار الورش التقليدية أكثر صعوبة. وقال حلاق إن والده قرر في سبعينيات القرن الماضي مواصلة المهنة بوصفها إرثًا ثقافيًا يستحق الحفاظ عليه. وأشار إلى أن الورشة تعمل منذ عام 1969، فيما يعود تاريخ المبنى إلى نحو 150 أو 160 عامًا.

ولا تقتصر الصعوبات على تراجع الطلب، إذ تتطلب صناعة الزجاج درجات حرارة مرتفعة وساعات طويلة من العمل. وكانت أفران الورشة تعمل في الماضي على مدار الساعة وطوال أيام السنة، ولا تتوقف إلا عند الحاجة إلى صيانتها أو خلال عيدي الفطر والأضحى. أما اليوم فقد أجبر ارتفاع تكاليف الوقود الأسرة على إشعال الفرن صباحًا وإطفائه مساءً، رغم أن تشغيله وإيقافه المتكررين يسببان أضرارًا ويقللان من عمره التشغيلي. وأوضح حلاق أن تسخين الفرن الصغير يستغرق من أربع إلى خمس ساعات قبل بدء العمل، ليصل الزجاج إلى درجة تسمح بتليينه وإعادة تشكيله. وأضاف أن إطفاء الفرن ثم إشعاله من جديد يضر به ويقلل من عمره، مشيرًا إلى أن تكاليف المازوت تشكل مشكلة كبيرة. وتجعل الحرارة المرتفعة وساعات العمل الطويلة وصعوبة الحصول على إجازات هذه المهنة أقل جاذبية للشباب، محذرًا من أن عدم إعداد حرفيين جدد يهدد مستقبل صناعة الزجاج التقليدية.

إعادة تدوير الزجاج المكسور

تعتمد الورشة على الزجاج المكسور مادةً خامًا، إذ يتيح الفرن إعادة تدويره وتشكيله وفق الأساليب التقليدية. وأوضح حلاق أن الفرن يتكون من ثلاثة أقسام: للصهر، والتشكيل، والتبريد. تصل درجة الحرارة في قسم الصهر إلى نحو 1200 درجة مئوية، فيما تتراوح في مرحلة التشكيل بين 950 و1000 درجة. وعند هذه المرحلة لا يكون الزجاج سائلًا بالكامل، بل يصبح بقوام يشبه العجين، مما يسمح للحرفي بالتقاطه وتشكيله بالشكل المطلوب. وبعد الانتهاء من التشكيل تُنقل القطع إلى قسم التبريد لتخفيض حرارتها تدريجيًا ومنع تشققها، وتبدأ هذه المرحلة عند نحو 500 درجة مئوية، ثم تنخفض الحرارة بمعدل يقارب 100 درجة كل ساعة، وتستغرق العملية بين خمس وسبع ساعات.

الجودة قبل كمية الإنتاج

تنتج الورشة أباريق الزيت وأكواب الماء والمزهريات وغيرها من الأدوات المنزلية والقطع الزجاجية الزخرفية. وقال حلاق إن الأسرة كانت تصنع في الماضي قطعًا أكبر حجمًا، لكنها باتت تركز على المنتجات الأصغر بعد تقليص حجم الفرن. وأكد أن الحرفي لا يقيس نجاح عمله بعدد القطع التي ينجزها، بل بجودة كل قطعة ومدى رضاه عن تفاصيلها، لذلك يفحص منتجاته بعناية ولا يحتفظ إلا بما يراه مطابقًا للنتيجة التي يريدها. وتابع: “عندما أنتهي من صنع قطعة، أتفحصها. إذا كانت كما أريد، أحتفظ بها، أما القطعة التي لا تعجبني فأستبعدها منذ البداية”. ويرى أن تشكيل الزجاج فن يتطلب دقة وصبرًا، تمامًا كما يتعامل النحات مع تفاصيل منحوتته، من أجل الحفاظ على هذا الفن التقليدي وإبقائه حيًا.