تخطَّ إلى المحتوى
الثلاثاء 27 أكتوبر 202616 جمادى الأولى 1448 هـ30° صحو
الفجر 04:38 د.ك = 3.218 $
27أكتوبر2026
طبعة رقميةتُحدَّث على مدار الساعة

أخبار الكويت و الخليج و العالم

آخر الأخبار

إعادة برمجة خلايا مسنة تعيد عقارب العمر الجزيئي ستة عقود إلى الوراء

إعادة برمجة خلايا مسنة تعيد عقارب العمر الجزيئي ستة عقود إلى الوراء

تمكن علماء من إعادة برمجة خلايا مأخوذة من شخص يبلغ من العمر ثمانين عاماً، لتكتسب خصائص جزيئية مماثلة لخلايا شخص لم يتجاوز العشرين من عمره، في إنجاز علمي يثير التساؤلات حول إمكانية عكس بعض آثار الشيخوخة على المستوى الخلوي.

إعادة برمجة الخلايا السلفية للدم

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة بون الألمانية أن “الخلايا السلفية” لكريات الدم الحمراء، وهي خلايا بيولوجية غير متمايزة تشبه الخلايا الجذعية في قدرتها على الانقسام وتوليد أنواع معينة من الخلايا، عندما تخضع لنوع من “إعادة التدريب الوظيفي” عبر إعادة البرمجة الخلوية، يمكنها استعادة خصائص جزيئية أكثر شباباً. والمثير للانتباه أن هذه العملية سمحت، وفقاً للدراسة المنشورة في مجلة “Aging Cell” العلمية المتخصصة، بإرجاع العمر الجزيئي لبعض الخلايا إلى الوراء بأكثر من ستين عاماً.

وكان عالم الأحياء العصبية أوليفر بروستله من جامعة بون وفريقه قد أجروا دراسة سابقة في عام 2024 استخدموا خلالها ما يُعرف باسم “عوامل النسخ”، وهي بروتينات تتحكم في تشغيل الجينات وإيقافها، وبالتالي تنظم نشاطها داخل الخلية. واستخدم الباحثون هذه البروتينات لتحويل خلايا الدم إلى خلايا جذعية عصبية مستحثة (iNSCs)، ووجدوا أن الخلايا الناتجة استطاعت النضج بنجاح داخل الكائن الحي. لكن في الدراسة الجديدة، قرر بروستله التركيز على ظاهرة أخرى غير معتادة لاحظها الباحثون أثناء إعادة برمجة الخلايا.

وقال بروستله، المؤلف الرئيسي المشرف على الدراسة، في بيان صحفي: “ركزنا في دراستنا الحالية على ظاهرة مختلفة، وهي ملاحظة أن الخلايا تصبح أكثر شباباً بصورة ملحوظة أثناء عملية إعادة البرمجة”. وأضاف: “نعلم أيضاً أن هذا التجديد فوق الجيني يضمن أن الخلايا تتصرف بالفعل مثل الخلايا الشابة”، حسبما نقل موقع “بابيولار ماشينز” العلمي.

الساعة الجزيئية تشير إلى العشرين

استعمل العلماء ما يعرف باسم “الساعة الجزيئية”، وهي وسيلة لقياس العمر البيولوجي للخلايا من خلال تتبع التغيرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي وترتبط ارتباطاً وثيقاً بعملية الشيخوخة. وأظهرت نتائج الدراسة أن “الخلايا السلفية” للدم المأخوذة من شخص يبلغ من العمر ثمانين عاماً أصبحت، بعد إعادة برمجتها، تحمل عمراً جزيئياً يقل عن عشرين عاماً. وهذا يعني أن المؤشرات الجزيئية المرتبطة بالشيخوخة تراجعت في هذه الخلايا بأكثر من ستة عقود.

وفي العادة، تتم إعادة برمجة هذه الخلايا عبر مرحلتين أساسيتين، حيث تبدأ المرحلة الأولى بتحويل الخلايا إلى خلايا جذعية متعددة القدرات، وهي خلايا تستطيع التطور إلى أنواع عديدة من الخلايا المتخصصة. ثم تأتي المرحلة الثانية، التي تتحول فيها هذه الخلايا إلى خلايا جذعية عصبية مستحثة. لكن الباحثين اتبعوا في الدراسة الجديدة طريقة مختلفة، إذ تجاوزوا المرحلة الوسيطة بالكامل، مستخدمين فيروساً لإيصال اثنين من عوامل النسخ إلى الخلايا، بهدف تحويل خلايا الدم مباشرة إلى خلايا جذعية عصبية. وبعد اثني عشر يوماً فقط، بدأت “الخلايا السلفية” للدم تكتسب خصائص تشبه الخلايا الجذعية العصبية المستحثة.

ولرصد التغيرات التي طرأت عليها، استخدم الفريق تقنيتين علميتين أساسيتين: تحليل مثيلة الحمض النووي لقياس التغيرات الكيميائية المرتبطة بتنظيم نشاط الجينات والعمر البيولوجي للخلايا، وتسلسل الحمض النووي الريبي لدراسة نشاط الجينات والتغيرات التي تحدث أثناء تحول الخلايا وإعادة برمجتها. وسمحت هاتان التقنيتان للعلماء بتتبع آثار الشيخوخة والتجدد الخلوي خلال التجربة.

تجديد تدريجي يمتد لمئة يوم

ووفقاً لبروستله فإن الطريقة الجديدة تختلف عن الأساليب التقليدية لأنها تسمح بإعادة برمجة الخلايا مباشرة، من دون المرور بمرحلة الخلايا الجذعية متعددة القدرات. وأوضح قائلاً: “على النقيض من ذلك، حولنا خلايا الدم مباشرة إلى خلايا جذعية عصبية، أي من دون المرور أولاً بمرحلة الخلايا متعددة القدرات”. وتابع: “في طريقتنا، حدث التجديد الخلوي بصورة تدريجية، وكان بالإمكان تتبعه على مدى أكثر من مئة يوم”.

وتكمن أهمية هذا التجديد البطيء في أنه يمنح العلماء فرصة أفضل لفهم الآليات المسؤولة عن استعادة الخلايا لخصائصها الشابة. ففي الطريقة التقليدية المكونة من مرحلتين، تحدث التغيرات الخلوية بسرعة كبيرة، ما يجعل دراسة تفاصيلها أكثر صعوبة. بالنسبة للطريقة الجديدة، فإن عملية التجديد تستغرق وقتاً أطول، الأمر الذي يسمح للباحثين بمراقبة التغيرات الجزيئية خطوة بخطوة. واستفاد العلماء من هذه الميزة لمتابعة الخلايا وهي تصبح أكثر شباباً بصورة تدريجية. وخلال خمسين يوماً فقط، سجل الباحثون تراجعاً في العمر الجزيئي للخلايا بنحو ستين عاماً.

لم يقتصر تأثير إعادة البرمجة على المؤشرات الجزيئية المرتبطة بالعمر، بل لاحظ العلماء أيضاً تغيرات في السلوك الوظيفي للخلايا. وطبقاً لما أورده موقع “ساينس أليرت”، أظهرت الخلايا التي خضعت لإعادة البرمجة انخفاضاً في السمية المرتبطة بالميتوكوندريا. والميتوكوندريا هي أجزاء داخل الخلايا مسؤولة عن إنتاج معظم الطاقة التي تحتاج إليها لأداء وظائفها. وتعد اضطرابات الميتوكوندريا وتراجع كفاءتها من الظواهر المرتبطة بتقدم الخلايا في العمر. كما وجد الباحثون أن عملية تجديد الخلايا استمرت حتى عندما جرى تثبيط تكاثرها. وتشير هذه النتيجة إلى أن استعادة الخلايا لخصائصها الشابة لا تعتمد بالضرورة على انقسامها وتكاثرها، بل يمكن أن تحدث من خلال التغيرات المرتبطة بإعادة البرمجة نفسها.

آفاق علاجية لأمراض الشيخوخة

قد تكون لهذه النتائج أهمية كبيرة في الأبحاث الطبية المستقبلية، خصوصاً في مجال الأمراض العصبية التنكسية المرتبطة بالتقدم في العمر. فإمكانية تحويل خلايا قديمة إلى خلايا جذعية عصبية تتمتع بخصائص جزيئية ووظيفية أكثر شباباً قد تساعد العلماء مستقبلاً على تطوير أساليب جديدة لدراسة هذه الأمراض وربما علاج بعضها.

ومع ذلك، فإن الدراسة لا تثبت أن العلماء أصبحوا قادرين على عكس شيخوخة الإنسان بأكمله، أو إعادة عمر شخص مسن إلى مرحلة الشباب. فالنتائج تتعلق بخلايا خضعت لإعادة البرمجة في ظروف تجريبية، وليس بعلاج ثبتت فعاليته لدى البشر. كذلك فإن استعادة مؤشرات جزيئية شابة لا تعني بالضرورة استعادة جميع وظائف الخلايا أو إزالة كل الأضرار التي تراكمت فيها مع التقدم في العمر.