الاقتصاد الدائري والمدن الصحية: فرص ومخاطر أمام مستقبل الكويت

الاقتصاد الدائري والمدن الصحية: فرص ومخاطر أمام مستقبل الكويت

يُعَدّ كلٌ من الاقتصاد الدائري ومفهوم المدن الصحية ليسا مجرد مبادرات بيئية، بل يشكلان قوة دافعة في الاقتصاد الوطني، حيث يفتحان باباً جديداً للمشروعات الصغيرة، يحدّان من الإنفاق الحكومي، ويقوّيان من استدامة الموارد، إلى جانب تنويع مصادر الدخل القومي.

مقال المستشار فيصل المتروك وربط الرؤى الوطنية

لفت انتباهي نص المستشار فيصل المتروك (أبو تركي) المنشور في جريدة الجريدة بتاريخ 18 يونيو 2026، إذ ربط فيه بين مفهوم المدن الصحية والاقتصاد الدائري وتأثيرهما على صحة المواطن، مع الإشارة إلى رؤية الكويت لعام 2035.

تحديات الواقع وإدراك المواطن

تظهر طموحات هذه المشاريع كأنها سحابية في ظل الأوضاع الحالية، فهل ستثمر في النهاية؟ استند أبو تركي في مقاله إلى مجموعة من المتغيّرات التي تعتمد أساساً على مدى إيمان المواطن ومصداقية الفكرة. فالشخص لا يصدق إلا حين يلمس التغيير بأعينه، وتثبت له مصداقية النتائج في حياته اليومية. المواطن العادي لا يقرأ الخطط أو الأهداف، بل يقتصر على ما يراه أو يشاركه من تجربة.

قبل الخوض في حلول محتملة، لا بد من الاعتراف بمدى حجم المخاطر التي تهدد صحة الفرد وبيئته بصورة يومية. سلاسل الإمداد المتأثرة بالظروف الجيوسياسية ترتفع من تكاليف الموارد، ما يضعف قدرة الشركات الصغيرة على البقاء.

الكمية المتراكمّة من النفايات وتداعياتها

تشير إحصاءات أبو تركي إلى أن ما يقارب 174 ألف طن من النفايات تصل إلى المدافن كل شهر، وأن 76٪ منها يمكن إعادة تدويرها إذا ما استُثمرت بصورة مناسبة. أما النسب المتبقية فتسهم في تفاقم التلوث، فزيوت الطعام والبلاستيك وغيرها تُلقى في المدافن، مما يفضي إلى تفاعلات كيميائية تُدهّر جودة الهواء وتُلوث المياه الجوفية. بالإضافة إلى ذلك، ينتج عن تحلل الميثان والأكاسيد الكربونية والنيتروجينية انبعاثات سامة تُسمم الموارد المائية.

في الأحياء السكنية، ترتفع معدلات الأمراض المزمنة مثل الربو والحساسية بين الأطفال وكبار السن، نتيجة لآلاف شاحنات القمامة التي تذهب إلى المدافن وتعود محمّلة بالبكتيريا والجراثيم التي تُنشر في الأحياء، محدثةً تلوثاً هوائياً واسع النطاق. يمكن الحد من هذه الظاهرة عبر تعقيم شاحنات القمامة قبل خروجها من المدفن.

الدور المتكامل للمدن الصحية والاقتصاد الدائري

يُقَدِّم الاقتصاد الدائري حلاً يتجاوز مجرد معالجة الأضرار، إذ يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والموارد من الأساس، متجاوزاً نموذج “خذ‑صنّع‑تخلّص” إلى نظام يركّز على إعادة الاستخدام والفرز والتدوير. وقد وضعت الكويت مسارات واضحة لهذا التحوّل عبر الاستراتيجية الصناعية 2035، والاستراتيجية البيئية 2040، والاستراتيجية الوطنية للمدن الصحية (2023‑2030). وعلى أرض الواقع، تتجلى هذه الاستراتيجيات في مشاريع ملموسة يمكن أن تحقق عوائد سنوية بالملايين من بيع المواد المعاد تدويرها.

من بين المبادرات التي تسير على هذا النهج، تبرز مبادرة “إيكو ستار” التي أسستها مهندستان كويتيتان، حيث تم تحويل أطنان من البلاستيك، الورق، والمعادن إلى موارد قابلة لإعادة الاستخدام. كما تم إنشاء مردم “كبد الصحي” الذي يُعَدّ أول مردم يُبنى وفق أسس صحية في الكويت، ليحل محل أحد المدافن التقليدية ويحدّ من الردم العشوائي. بالإضافة إلى ذلك، تُنَفَّذ مبادرة لتدوير النفايات الإلكترونية بالتعاون مع الهيئة العامة للبيئة داخل المدارس والجامعات، ومشروعات تجريبية لتحويل بقايا زيوت الطعام إلى وقود حيوي، وتدوير البلاستيك لإنتاج أثاث مدرسي وحدائق عامة.

هذه المشاريع قد تبدو بسيطة، إلا أن أثرها الصحي كبير، وهو ما تسعى إليه فكرة المدن الصحية في إطار مجتمع يحرص على سلامة أفراده.

الفائدة المزدوجة والشراكة المجتمعية

تتجاوز أهمية هذه المشاريع الجوانب الفردية لتشمل تفاعل المجتمع بأكمله مع الجمعيات العامة ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص. فالنتائج لا تخدم طرفاً واحداً، بل تُعَدّ مصلحة مشتركة للمواطن والوطن. على صعيد المواطن، تعني هذه الحلول هواءً أنقى وأطفالاً أقل عرضة لأمراض الربو والحساسية. وعلى صعيد الدولة، تُوفر بيئة سكنية أكثر أماناً واستدامة.

يساهم الاقتصاد الدائري في خلق فرص عمل جديدة للشباب الكويتي في قطاعات التدوير والطاقة المتجددة، ما يدعم رؤية “كويت جديدة 2035” لتصبح مركزاً مالياً وتجاريًا يجذب الاستثمارات. هذه الفوائد ليست مجرد نظرية، بل دائرة مترابطة: صحة المواطن تُخفّف العبء عن النظام الصحي الوطني، والنظام الصحي القوي يعزز الإنتاجية الاقتصادية، بينما يموّل الاقتصاد الدائري نفسه عبر تحويل النفايات من عبء إلى مورد.

تعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والجمعيات يرسّخ مبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) ويسهم في تعزيز برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) من خلال دعم المبادرات التي تحقق أثراً مستداماً وقابلاً للقياس، ما يوجّه الاستثمارات نحو مشاريع ذات قيمة مضافة للمجتمع والاقتصاد والبيئة.

العقبة الحقيقية: المصداقية والثقة

على الرغم من صحة الأرقام والإحصاءات، لا يمكن لهذه المعطيات وحدها أن تُحدث تحولاً مجتمعياً. الإنسان يتفاعل فقط عندما يرى تأثيراً إيجابياً ملموساً على حياته أو يشعر بخطر يقترب من حقيقته. تكمن العقبة الرئيسية في ثقة المواطن في استمرارية المشاريع وتحقيق أهداف واضحة، فحتى وإن تغيّر المسؤول الكبير، فإن مصداقية النتائج لا تُقوَّم إلا من خلال التجربة اليومية.

لا يكفي إصدار المزيد من التقارير، بل يجب تقريب الفجوة بين صانعي القرار والمواطن عبر حملات توعوية تُظهر بالاسم والصورة كيف تحوّلت حديقة جرداء إلى مساحة خضراء مريحة، أو كيف أُنشئ مصنع تدوير يديره شاب من المنطقة لإنتاج منتجات محلية، أو كيف تُنتج مزرعة مائية داخل الحي خضروات تُغذي المطبخ طوال العام.

من الضروري أيضاً إبراز الأنشطة الصغيرة في إطار المدن الصحية ودعمها، إذ تُشكّل هذه الأنشطة نواة المجتمع الكويتي. لا يكتمل مفهوم الاقتصاد الدائري والمدن الصحية إلا عندما يصبح المواطن شريكاً فاعلاً لا مجرد متلقٍ، وتُعدّ الشراكة بين الحكومة ومختلف الجهات المجتمع محوراً أساسياً لهذا الحل.

ما يبدو مستحيلاً اليوم قد يتحقق بمرور الوقت وبناءً على ثقة الجمهور، إذ إن تحويل الأرقام إلى تجارب ملموسة يضمن منفعة تنعكس على الفرد والوطن معاً، بعيداً عن تقارير تُقرأ مرة واحدة ولا تُستَرجَع.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك