جنوب لبنان: الدمار يمحو معالم القرى ويثير أزمة ملكيات مع عودة الأهالي

جنوب لبنان: الدمار يمحو معالم القرى ويثير أزمة ملكيات مع عودة الأهالي

لم تقتصر صدمة سكان البلدات الجنوبية لدى عودتهم إلى قراهم بعد شهور طويلة من النزوح على حجم الخراب الذي لحق بالمنازل والأحياء، بل تجاوزته إلى ما هو أعمق. فالكثير منهم لم يعودوا قادرين على تحديد مواقع عقاراتهم أو التعرف على معالم الأراضي التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، بعد أن غيّر القصف والتجريف ملامح القرى بصورة شبه تامة.

معالم اختفت وحدود ضاعت

تقول سهى عبد الله، من بلدة الخيام، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية: «لم أتعرف على منزل جدي ولا على المنزل المجاور له. لم يعد لدينا ما يثبت لنا الحدود بعد أن هربنا مسرعين من دون أن نأخذ معنا الأوراق أو السجلات التي تثبت ملكياتنا».

أما غادة من بلدة دبين فتستعيد صورة الأرض كما كانت قبل الحرب: «بيت جدي كان هناك على تلة بجوار شجرة الصنوبر، وكانت عائلة عياش تملك الأراضي المجاورة. اليوم لم نعد نعرف أين أصبحت الحدود. قُتل جدي، وتوفيت جدتي، واستشهد خالي، وضاعت السجلات، وحتى شجرة الصنوبر التي كانت الشاهد الوحيد على المكان لم نجد لها أثراً».

تتكرر الرواية نفسها في أكثر من قرية حدودية. يُذكر أن الأراضي تحولت بعد الحرب إلى مساحات متشابهة مع اختفاء الجدران الحجرية والأشجار المعمرة والطرقات الترابية التي كانت تشكل علامات يستدل بها الأهالي على أملاكهم، مما أثار خلافات بين أصحاب البيوت والعقارات.

زوطر الغربية… صدمة عند العودة

عدد من أبناء زوطر الغربية تحدثوا لموقع سكاي نيوز عربية، مفضلين عدم الكشف عن هوياتهم، عن حالة من الضياع بعد دخول البلدة. أكدوا أنهم وقفوا أمام مساحات مدمرة من دون أن يتمكنوا من معرفة أين تبدأ أملاكهم وأين تنتهي. قال أحدهم: «كنت أحفظ الطريق إلى أرضي خطوة بخطوة، لكن اليوم لا أعرف من أين أمر ولا أين تقع حدودها. كل شيء تبدّل».

وأضاف آخر من البلدة: «لم يبق جدار أو شجرة أو أي معلم نستدل به. حتى الطرق تغيّرت، وأصبح من الصعب الجزم بمكان أي عقار».

أكد سكان آخرون أن المشكلة لا تقتصر على زوطر الغربية، التي دخلها أهلها وسط مشاهد صادمة، بل ظهرت أيضاً في حولا وكفركلا، وقبلها في مارون الراس والعديسة. الصور التي وصلت إلى الأهالي أظهرت حجم التجريف وتغيّر معالم القرى، مما جعل كثيرين غير قادرين على التعرف على مواقع منازلهم أو أراضيهم. كما تظهر صور الأقمار الاصطناعية في بنت جبيل حجم التبدلات التي طالت الأحياء والحقول والطرقات.

ونقل أبناء بلدات في محيط العديسة المخاوف نفسها، مع الحديث عن اختفاء الحدود الطبيعية التي كانت تفصل بين العقارات، سواء أشجاراً معمرة أو سلاسل حجرية أو ممرات زراعية يعرفها السكان منذ عشرات السنين.

وثائق تحت الأنقاض

لا تقتصر مشكلة الأهالي على ضياع المعالم، بل تتفاقم مع فقدان عدد كبير منهم لوثائقهم العقارية، بعد أن اضطروا إلى النزوح وتركها في منازلهم التي دُمّرت أو دفنت تحت الأنقاض. كما تضررت سجلات لدى بعض البلديات ومكاتب المخاتير، الأمر الذي يثير مخاوف من نزاعات عقارية مع بدء مرحلة إعادة الإعمار.

أوضحت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية إنديرا الزهيري، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية، أن العدوان لم يدمّر المباني فحسب، بل غيّر معالم الأراضي نفسها. وأشارت إلى أن التمييز بين الأراضي الممسوحة وغير الممسوحة سيكون أساسياً لمعالجة هذا الملف. وأكدت أن «الأراضي الممسوحة تبقى محفوظة قانونياً في السجل العقاري، لأن ملكيتها مثبتة بأرقام عقارية رسمية، فيما تواجه الأراضي غير الممسوحة تحديات أكبر إذا فقد أصحابها مستندات الملكية أو تضررت سجلات المخاتير».

تابعت الزهيري: «عملية إزالة الردميات وإعادة المسح العقاري ستحتاج إلى جهود تقنية وقانونية كبيرة، بالاستناد إلى خرائط الجيش اللبناني وصور الأقمار الاصطناعية وفرق المساحة، إضافة إلى شهادات الأهالي والمخاتير لإعادة تثبيت حدود العقارات». وحذرت من أن أي إعادة إعمار من دون معالجة دقيقة لهذا الملف «قد تؤدي إلى نزاعات قانونية طويلة».

من جهته، قال رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لموقع سكاي نيوز عربية: «صدمنا بالمشهد. ما في بيت معروف حدوده. الناس أصيبت بحالة من الصدمة. كنا نتوقع دماراً، لكن لم نتوقع أن تتغيّر معالم الطرق والبلدة بهذا الشكل».

يؤكد مسؤولون محليون أن إزالة آلاف الأطنان من الردميات ستكون الخطوة الأولى قبل أي عملية إعادة تحديد للحدود العقارية، لأن الأنقاض تخفي معالم كانت تشكل المرجع الأساسي للأهالي في معرفة أملاكهم.

تذمر صامت وخوف من الكلام

روى مختار سابق لبلدة كفركلا، فضّل عدم ذكر اسمه، أن حالة من التذمر تسود بين الأهالي لكنها لا تظهر إلى العلن. وأضاف: «الناس خائفة، والحزن يسيطر على الجميع، لأن ماضياً كاملاً اختفى. لم تعد هناك صورة للقرية التي عرفناها». وشدد على أن «الجميع ينتظر العودة الكاملة، ولكل حادث حديث. لكن طالما أن هناك من يخشى التحدث بصراحة، فإن كثيرين يفضلون الصمت في هذه المرحلة».

وفق متابعين، فإن هذا الواقع يفتح الباب أمام تحديات قانونية واجتماعية كبيرة، خصوصاً مع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار، في ظل مخاوف من تداخل الملكيات وصعوبة إثبات الحقوق، ولا سيما في الأراضي غير الممسوحة، حيث يعتمد كثير من الأهالي على أوراق عرفية أو سجلات محلية فقد قسم منها خلال الحرب.

لفت عدد من السكان إلى غياب أي حضور فعّال لحزب الله في متابعة هذه الإشكاليات العقارية أو حتى السؤال عن مصير المواطنين أو مواكبة الأهالي في معالجة تداعياتها، رغم اتساع الأزمة في عدد من البلدات الجنوبية. اعتبروا أن الأولوية اليوم بالنسبة إليهم ليست فقط إعادة بناء المنازل، بل أيضاً استعادة الحق في الأرض، ومعرفة أين تبدأ حدودها وأين تنتهي، بعد أن مسح الدمار معالم قرى بكاملها، وترك آلاف العائلات أمام معركة جديدة عنوانها إثبات ملكية ما بقي من ذاكرتها.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك