البوابة الذهبية بإسطنبول: من مدخل الأباطرة إلى حصن عثماني يروي 16 قرناً

في الثالث والعشرين من أكتوبر 2026، تظل “البوابة الذهبية” في إسطنبول شاهدة على تاريخ يمتد لنحو 1600 عام، حيث كانت مدخلاً للأباطرة والجيوش المنتصرة قبل أن تتحول إلى جزء من قلعة عثمانية. وتقع هذه البوابة، التي تعرف أيضاً باسم “ألطون قابي”، في الجزء الجنوبي من الأسوار البرية التاريخية، بمنطقة “يدي كوله” في القسم الأوروبي من المدينة، وتحيط بها تحصينات من عصور مختلفة.
وتأتي هذه الحلقة السابعة من سلسلة تقارير وكالة الأناضول “أبواب تفتح على تاريخ المدينة” لتسلط الضوء على حكاية البوابة التي جمعت بين رمزية الانتصار الإمبراطوري ومتطلبات الدفاع، قبل أن تندمج في قلعة يدي كوله، المعروفة بالأبراج السبعة.
مدخل الأباطرة ورموز الانتصار
ارتبط ظهور البوابة الذهبية بتوسع المدينة في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس وإنشاء الأسوار البرية. وتعرف باللاتينية باسم “بورتا أوريا”، أي البوابة الذهبية، فيما أطلقت عليها المصادر العثمانية اسم “ألطون قابي”. وتتميز البوابة بضخامة تصميمها وواجهتها المكسوة بالرخام الأبيض والزخارف المذهبة، التي تعكس هيبة الإمبراطورية، لكن تسميتها لا تعني أنها كانت مغطاة بالذهب، بل ارتبط الاسم بالحروف والزخارف المذهبة التي زينت نقوشها، والتي لم تصل بحالتها الأصلية.
وكانت البوابة تقع على مسار احتفالي يعرف باسم “طريق النصر”، تسلكه مواكب الأباطرة والجيوش عند دخول العاصمة أو مغادرتها، فكانت العودة من الحرب استعراضاً علنياً للقوة العسكرية والسلطة السياسية. وأوضح الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين صايغلي للأناضول أن البوابة القائمة اليوم ليست أول بوابة حملت هذا الاسم في تاريخ إسطنبول.
وقال صايغلي إن الأسوار الأولى، المنشأة في عهد الإمبراطور قسطنطين، كانت داخل حدود المدينة اللاحقة، قبل بناء الأسوار المحيطة بمنطقة الفاتح التاريخية في إسطنبول في عهد ثيودوسيوس، واتخاذ البوابة الذهبية موقعها ضمن التحصينات الجديدة. وأشار إلى أن البوابة ضمت مدخلاً رئيسياً يبلغ عرضه، وفق تقديره، نحو 30 متراً، وإلى جانبيه مدخلين أصغر، عرض كل منهما نحو 9 إلى 10 أمتار، فيما عرف معبر أمامها باسم “كوجك ألطون قابي”، أي بوابة الذهب الصغيرة.
وشبه صايغلي البوابة بأقواس النصر التي مرت عبرها الفيالق الرومانية في روما، موضحاً أن الجيش كان يعبرها برفقة الإمبراطور عند العودة من الحرب أو التوجه إليها، إلى جانب استخدامها لأغراض دفاعية.
انتصار بطابع ديني
ومن الوقائع التي تكشف دلالات البوابة، دخول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج المدينة عام 1261، بعد استعادتها من الإمبراطورية اللاتينية التي سيطرت عليها منذ الحملة الصليبية الرابعة. وبحسب صايغلي، لم يدخل الإمبراطور عبر البوابة الذهبية في عربة احتفالية، بل سار على قدميه مصحوباً بأيقونة “مريم هوديغيتريا”، ذات المكانة البارزة في التقليد البيزنطي.
ورأى أن المشهد حمل رسالة رمزية، إذ ظهر الإمبراطور أكثر تواضعاً، وأبرز الطابع الديني للانتصار، بدلاً من الاكتفاء باستعراض القوة العسكرية. وبذلك، كانت البوابة مساحة تتداخل فيها الرموز الدينية والسياسية للتعبير عن شرعية الحكم واستعادة العاصمة، إلى جانب وظيفتها مسرحاً للمواكب العسكرية.
تضاؤل الدور الاحتفالي والتحول إلى قلعة
ومع تراجع القوة العسكرية والسياسية للإمبراطورية البيزنطية، تغيرت وظيفة البوابة وانعكس التحول على عمارتها. وأوضح صايغلي أن البوابة ذات المداخل الواسعة تقلصت على مراحل، حتى تحولت بحلول أواخر القرن الرابع عشر إلى معبر أصغر، بوظيفة احتفالية محدودة، قبل أن يغلب عليها الاستخدام الدفاعي. وعند فتح العثمانيين إسطنبول عام 1453، كان جزء كبير منها قد أغلق بالحجارة.
ومع تغير احتياجات المدينة العسكرية، تراجعت الحاجة إلى مدخل احتفالي واسع، وأصبحت الممرات الأضيق أكثر ملاءمة للدفاع. وقال صايغلي إن التحول يعكس تغير مكانة البوابة، التي أصبحت نقطة دفاعية محدودة بعدما فقدت الإمبراطورية جانباً كبيراً من قوتها.
وبعد الفتح، أضاف السلطان محمد الفاتح 3 أبراج إلى الأبراج البيزنطية الأربعة القائمة في المنطقة، فتشكلت قلعة “يدي كوله”. ومع إنشاء القلعة، أغلقت البوابة الذهبية بالكامل وفقدت وظيفتها مدخلاً للمدينة، لتصبح جزءاً من منظومة التحصينات الجديدة. واستخدمت القلعة في العهد العثماني حصناً وسجناً ومكاناً لحفظ الخزانة في فترات مختلفة، وارتبطت بأحداث سياسية، بينها إعدام الصدر الأعظم جاندارلي خليل باشا في عهد محمد الفاتح، واحتجاز السلطان عثمان الثاني، المعروف باسم “عثمان الشاب”، قبل مقتله عام 1622.
وأشار صايغلي إلى إمكانية مشاهدة مسجد القلعة، الذي أنشئ في عهد الفتح، والذي تعمل بلدية الفاتح على ترميمه.
رخام البوابة وهندستها الخالدة
تتميز واجهة البوابة الذهبية الخارجية بالرخام الأبيض والأحجار المقطوعة، مما يمنحها مظهراً ضخماً يختلف عن أجزاء أخرى من الأسوار. وأوضح صايغلي أن رخام الواجهة جلب من جزر بحر مرمرة، مشيراً إلى إمكانية مقارنته بالكسوات الرخامية التي ظهرت لاحقاً في المساجد السلطانية العثمانية.
وجمع تصميم البوابة بين صلابة التحصينات والفخامة المعمارية لتكون مدخلاً إمبراطورياً مهيباً. ورغم إغلاق ممراتها واندماجها في القلعة، بقيت بنيتها شاهدة على زمن كانت فيه أحد أبرز مداخل الإمبراطورية البيزنطية. وهكذا، تختصر البوابة في حجارتها تحولات المدينة؛ من عاصمة تستقبل جيوشها المنتصرة بمواكب الأباطرة، إلى إسطنبول العثمانية التي أعادت توظيف المعبر ضمن قلعة دفاعية، فيما ظل الرخام الأبيض يحمل أثر هيبته القديمة.




