السودان: موجة تصعيد عسكري جديدة تعيد تشكيل خريطة الحرب وتدفن آمال السلام
دخلت الحرب في السودان مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل، حيث بدأت القيادة العسكرية بإطلاق خطاب متشدد تعهدت فيه بحسم المعركة وإنهاء وجود قوات الدعم السريع، ثم تحولت هذه التهديدات إلى عمليات برية وجوية واسعة في إقليمي كردفان ودارفور. ردت قوات الدعم السريع بهجوم مضاد شمل موجة كبيرة من الطائرات المسيّرة استهدفت الخرطوم ومدناً في شمال ووسط البلاد، في وقت تجددت فيه المعارك في إقليم النيل الأزرق.
اتساع نطاق العمليات — من دارفور وكردفان غرباً إلى الخرطوم وعطبرة شمالاً، وصولاً إلى قيسان قرب الحدود الإثيوبية — يكشف أن طرفي النزاع يتجهان مرة أخرى إلى رفع سقف المواجهة العسكرية، في وقت تتعثر فيه المبادرات الدولية ومساعي الوصول إلى هدنة إنسانية، وتتفاقم معاناة ملايين المدنيين المحاصرين بين القصف والنزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
خطاب الحسم العسكري
مهد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للتصعيد الأخير بتأكيده المتكرر رفضه التفاوض أو وقف إطلاق النار قبل تفكيك قوات الدعم السريع وتجريدها من السلاح وإخراجها من جميع المناطق الخاضعة لسيطرتها.
عزز رئيس أركان الجيش ياسر العطا هذا التوجه عندما أعلن، في بداية أغسطس، أن القوات المسلحة تنفذ استراتيجية هجومية على جميع المحاور، متعهداً بإنهاء وجود قوات الدعم السريع قبل نهاية عام 2026. وقال العطا إن الجيش وحلفاءه يتحركون بالتزامن على جبهات متعددة، ولن يتوقفوا حتى الوصول إلى آخر منطقة في دارفور، في خطاب يعكس تمسك القيادة العسكرية بالحل العسكري وسعيها إلى توسيع العمليات غرباً.
لم تبق هذه التصريحات مجرد تعبئة عسكرية؛ إذ أعقبتها عمليات برية واسعة شنها الجيش والقوات الموالية له في شمال كردفان، أسفرت عن السيطرة على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وأم قرفة.
غارات جوية مكثفة في كردفان ودارفور
بعد التقدم في بعض مناطق كردفان، كثف الجيش هجماته بالطائرات الحربية والمسيّرات على مناطق انتشار قوات الدعم السريع في شمال وغرب كردفان، بما في ذلك أم بادر وسودري وأبو زعيمة والمزروب والخوي والنهود، مما أدى إلى سقوط خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. وصفت تقارير محلية موجة الغارات التي بدأت أواخر يوليو بأنها من بين الأعنف منذ انتقال الثقل العسكري للحرب إلى كردفان.
امتدت العمليات الجوية للجيش إلى مدن خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في دارفور. وفي الثاني من أغسطس، أفادت تقارير حقوقية بمقتل 35 شخصاً في ضربة نفذتها مسيّرة تابعة للجيش، في تطور يعكس تزايد اعتماد طرفي النزاع على الطائرات من دون طيار لتنفيذ هجمات بعيدة المدى. ورغم أن التصريحات العسكرية تؤكد أن هذه الهجمات تستهدف مواقع وتحركات عسكرية، فإنها تسببت مراراً في خسائر كبيرة بين المدنيين، وطالت أسواقاً ومستشفيات ومصادر مياه ومخيمات نزوح ووسائل نقل عامة.
هجوم مضاد بالطائرات المسيّرة
لم يتأخر رد قوات الدعم السريع. فبعد خسارتها مواقع مهمة في شمال كردفان، بدأت بإعادة تجميع قواتها في مناطق المزروب وسودري وأم بادر والنهود، قبل أن تشن هجمات برية وبالمسيّرات على مواقع الجيش في محيط الأبيض. بلغ التصعيد ذروته، الأربعاء، عندما تعرضت الأبيض لنحو ثماني هجمات بالمسيّرات، واستهدفت إحدى الضربات محيط مقر الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش.
في الوقت نفسه، وصلت موجة المسيّرات إلى الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، إضافة إلى عطبرة والدامر في ولاية نهر النيل وربك في ولاية النيل الأبيض، في واحدة من أوسع الهجمات المتزامنة منذ بداية الحرب. وبينما قال الإعلام العسكري للجيش السوداني إن الدفاعات الجوية أسقطت أكثر من 20 مسيّرة، تحدث سكان عن انفجارات قوية وتصاعد أعمدة الدخان في عدد من مناطق العاصمة. لم تعلن قوات الدعم السريع رسمياً مسؤوليتها عن الهجمات، لكن مصادر عسكرية وشهوداً وتقارير محلية ودولية نسبتها إليها.
تحمل عودة المسيّرات إلى العاصمة دلالة عسكرية وسياسية مهمة؛ فالخرطوم شهدت هدوءاً نسبياً بعد خروج قوات الدعم السريع منها، وروج الجيش لاستعادة المدينة باعتبارها نقطة تحول استراتيجية ونهاية التهديد المباشر الذي كان يواجه مركز الحكم. إلا أن الهجمات الأخيرة أظهرت أن خسارة الدعم السريع للأرض لا تعني بالضرورة هزيمته أو فقدانه القدرة على تهديد المدن الواقعة تحت سيطرة الجيش، وأن الحرب انتقلت من نمط السيطرة المباشرة إلى حرب استنزاف بعيدة المدى، تعتمد بدرجة متزايدة على المسيّرات والصواريخ والهجمات المتزامنة.
جبهة النيل الأزرق تتسع
بالتوازي مع التصعيد في كردفان والعاصمة، اتسعت خريطة القتال في إقليم النيل الأزرق، حيث شنت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال هجوماً مشتركاً على مدينة قيسان القريبة من الحدود الإثيوبية. أعلن تحالف “تأسيس” إحكام سيطرته الكاملة على مدينة قيسان الاستراتيجية، بعد معارك شرسة خاضتها قوات الدعم السريع وقوات الجيش الشعبي – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، ضد الجيش السوداني. يعزز سقوط المدينة جبهة القتال بالقرب من الحدود الإثيوبية، بعيداً عن مسارح العمليات الرئيسية في دارفور وكردفان، كما يمنح التحالف موقعاً استراتيجياً مهماً في جنوب شرقي السودان.
قالت الأمم المتحدة إن المعارك الأخيرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائهم في المنطقة أسفرت عن مقتل أكثر من 20 مدنياً ونزوح نحو 2500 شخص، كما طالت تداعياتها منشآت وخدمات أساسية. ويهدد استمرار القتال في النيل الأزرق بموجة نزوح جديدة داخل السودان وعبر الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، كما يمنح قوات الدعم السريع وحلفاءها القدرة على تشتيت قوات الجيش وفتح محاور متزامنة في غرب البلاد ووسطها وجنوبها الشرقي.
لا حسم عسكري قريب في الأفق
تكشف التطورات الأخيرة أن الحديث عن حسم عسكري سريع لا ينسجم مع واقع الميدان. فبالرغم من تحقيق الجيش مكاسب في الخرطوم والجزيرة وشمال كردفان مؤخراً، فإنه لا يزال يواجه خصماً يسيطر على معظم دارفور وأجزاء من كردفان، ويملك القدرة على تنفيذ هجمات عميقة بالمسيّرات. في المقابل، تستطيع قوات الدعم السريع شن هجمات مضادة وفتح جبهات جديدة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من السيطرة على الأبيض أو كسر تفوق الجيش الجوي.
يعني ذلك أن ميزان القوة الحالي يسمح لكل طرف بإلحاق خسائر بالآخر وتعطيل تقدمه، لكنه لا يمنح أياً منهما القدرة على فرض سيطرته على كامل البلاد. وهكذا يتحول شعار “الحسم العسكري” إلى وصفة لإطالة الحرب وتوسيع نطاقها، لا إلى طريق واقعي لإنهائها.
ضربة لمساعي السلام الدولية
يأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه الآلية الخماسية — التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والجامعة العربية — عن إحراز تقدم في جهود إنهاء الحرب. ويتزامن ذلك مع تحركات يقودها المبعوث الأميركي للدفع نحو خفض التصعيد وإقرار هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات إلى المتضررين. كان مقترح أميركي قد طرح هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات لوقف شامل لإطلاق النار وعملية سياسية تقود إلى حكم مدني. لكن قيادة الجيش رفضت المقترح، واشترطت انسحاب قوات الدعم السريع بالكامل من المدن والمناطق المدنية الخاضعة لسيطرتها، بينما أعلنت الأخيرة قبولها المبدئي بالمبادرة.
تضعف موجة التصعيد الحالية أي فرصة لبناء الثقة بين الطرفين؛ فخطاب القضاء الكامل على الخصم، بالتزامن مع توسيع نطاق العمليات، يجعل وقف إطلاق النار يبدو بعيد المنال، ويحوّل المبادرات السياسية إلى سباق مع التطورات الميدانية. كما يمنح كل تقدم عسكري مؤقت الطرف الذي يحققه اعتقاداً بإمكان تحسين موقعه عبر القتال، مما يدفعه إلى تأجيل التفاوض، قبل أن يأتي الهجوم المضاد ليعيد الحرب إلى مرحلة جديدة أكثر دموية وتعقيداً.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
يبقى المدنيون الخاسر الأكبر من هذا التصعيد. فمدينة الأبيض، التي تضم نحو نصف مليون شخص، بينهم قرابة 100 ألف نازح، تعاني منذ أشهر نقصاً حاداً في الغذاء والوقود والمياه والكهرباء، وسط الهجمات بالمسيّرات والحصار واضطراب طرق الإمداد. في مناطق أخرى من شمال كردفان، أدت العمليات العسكرية إلى نزوح عشرات الآلاف وتعطيل مصادر المياه والمرافق الصحية، بينما ينتشر وباء الكوليرا في ظل نقص الأدوية وصعوبة وصول فرق الإغاثة.
في دارفور، أدى القصف الجوي العشوائي لطيران الجيش على المناطق المدنية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، في وقت تشهد فيه أسعار الغذاء ارتفاعاً حاداً وتتراجع المساعدات الإنسانية وتتزايد مخاطر الجوع. أما في النيل الأزرق، فقد بدأت موجة نزوح جديدة مع تجدد المعارك، وسط مخاوف من انتقال أعداد من المدنيين إلى المناطق المجاورة أو عبورهم الحدود إلى إثيوبيا وجنوب السودان.
لا يقتصر أثر التصعيد على أعداد القتلى والجرحى، بل يمتد إلى تدمير مقومات الحياة ودفع مزيد من السودانيين إلى النزوح، وتعريض الملايين لخطر الجوع والأوبئة. وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تؤكد التطورات الأخيرة أن كل جولة جديدة من التصعيد لا تقرّب السودان من الحسم، بل توسع خريطة القتال وتعمق الانقسام وتزيد كلفة السلام. وبين تهديدات القضاء على الخصم والهجمات المتبادلة بالمسيّرات، تبتعد فرص التسوية، فيما تقترب البلاد أكثر من حرب استنزاف مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
