تخطَّ إلى المحتوى
الأربعاء 4 نوفمبر 202624 جمادى الأولى 1448 هـ28° صحو
الظهر 11:32 د.ك = 3.209 $
4نوفمبر2026
طبعة رقميةتُحدَّث على مدار الساعة

أخبار الكويت و الخليج و العالم

آخر الأخبار

معارك المقاطرة: تقدّم الحوثيين قرب عدن بين حسابات الميدان وسيناريو الاستدراج

معارك المقاطرة: تقدّم الحوثيين قرب عدن بين حسابات الميدان وسيناريو الاستدراج

لم يعد القتال في اليمن محصوراً في الجبهات التقليدية، إذ شهدت الأشهر الماضية تصعيداً واسعاً وتبدّلات ميدانية أعادت ترسيم خطوط الاشتباك بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي.

ومع هذا التصعيد، انتقلت المواجهات إلى مناطق جديدة في الساحل الغربي ومحافظتي تعز ولحج جنوبي البلاد، حتى وصلت إلى مديرية المقاطرة ذات الموقع الاستراتيجي على الطريق الذي يربط تعز بالعاصمة المؤقتة عدن.

خريطة النفوذ.. مساحات شاسعة وثقل سكاني متفاوت

وتسيطر جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء وعلى معظم محافظات الشمال والغرب، ومن بينها صعدة وعمران وذمار وإب وحجة والمحويت وريمة والجوف، إضافة إلى مساحات واسعة في الحديدة والبيضاء ومأرب وتعز.

في المقابل، تنتشر القوات الحكومية والقوى العسكرية المتحالفة معها في محافظات الجنوب والشرق، ومنها عدن وأبين ولحج وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، فضلاً عن أجزاء من تعز ومأرب والساحل الغربي.

غير أن خطوط السيطرة تبدّلت في التصعيد الأخير؛ فقد تقدّم الحوثيون في مناطق بالساحل الغربي قريباً من مضيق باب المندب، وسجّلوا اختراقات في المرتفعات الجبلية بتعز ولحج، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية وقف هذا التقدم واستعادة المواقع التي خسرتها.

وتقدّر دراسات متخصصة في رصد النزاع اليمني أن الجماعة تسيطر على نحو ثلث مساحة البلاد، بينما تقع قرابة الثلثين تحت سيطرة القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها.

لكن هذه النسب لا تعبّر عن التوزيع السكاني؛ فمناطق الحوثيين تضم المدن الأكثر كثافة سكانية، ويُقدّر أن ما بين 70 و80 بالمئة من سكان اليمن يقيمون تحت سيطرتهم، في حين تتركّز المساحات الجغرافية الأكبر خارج نفوذهم في المحافظات الشرقية والجنوبية الأقل كثافة.

وتبقى هذه التقديرات تقريبية، لأنها تستند إلى خرائط تعود إلى ما قبل التصعيد الأخير، ولا تعكس بالضرورة ما طرأ على خطوط السيطرة خلال سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر الماضية.

المقاطرة.. قلعة ومرتفعات تُشرف على طرق الإمداد

وبرزت مديرية المقاطرة، شمالي محافظة لحج، في الأيام القليلة الماضية كواحدة من أبرز ساحات المواجهة، بعدما تمكّن الحوثيون من التقدم والسيطرة على مواقع مرتفعة واستراتيجية، من بينها قلعة المقاطرة التاريخية.

وتقع المديرية شمال غربي مدينة الحوطة، مركز محافظة لحج، على مسافة تناهز 83 كيلومتراً منها، وتبلغ مساحتها 476 كيلومتراً مربعاً، في حين بلغ عدد سكانها 54 ألفاً و613 نسمة بحسب تعداد عام 2004.

وتجاور المقاطرة محافظة تعز من الشمال، ومديرية المضاربة ورأس العارة من الغرب، وطور الباحة من الجنوب والشرق، وهو موقع يمنحها ثقلاً عسكرياً لأن مرتفعاتها تُشرف على طرق حيوية تصل تعز بالمناطق الجنوبية.

وكانت المديرية تتبع محافظة تعز قبل أن تُنقل تبعيتها الإدارية إلى لحج، ما يعكس ارتباطها الجغرافي الوثيق بمناطق التماس بين المحافظتين.

وتتأتّى خطورة التقدم الحوثي من طبيعة تضاريس المقاطرة الجبلية، إذ تتيح المرتفعات لمن يسيطر عليها مراقبة حركة الأفراد والإمدادات، ولا سيما الطريق الاستراتيجي الذي يربط تعز بعدن عبر منطقة هيجة العبد.

كما يزيد قربها من مديرية طور الباحة، إحدى البوابات الشمالية لمحافظة لحج، من وزنها في أي حساب للتقدم نحو المناطق الجنوبية.

وبذلك، لا يقتصر أثر السيطرة على مواقع في المقاطرة على تعديل خطوط التماس، بل يمتد إلى احتمال تهديد طرق الإمداد الحكومية وفتح محاور ضغط جديدة في اتجاه لحج وعدن.

مخاوف عدن وقراءة عسكرية مغايرة

وأثار تقدم الحوثيين في المقاطرة قلقاً من اقتراب المواجهات من عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة للبلاد.

ولا ترتبط هذه المخاوف بالمسافة الجغرافية وحدها، بل بما قد ينجم عن السيطرة على المرتفعات والممرات الحيوية من تهديد لخطوط الإمداد وفتح جبهات جديدة باتجاه المحافظات الجنوبية.

كما أن استمرار الضغط الحوثي على جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، بالتوازي مع الاشتباكات قرب باب المندب، يضع القوات الحكومية أمام معضلة توزيع قدراتها العسكرية على جبهات متباعدة.

وتزداد هذه المعضلة صعوبة في ظل تعدد التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين، والحاجة إلى تنسيق عملياتها وتوحيد قرارها العسكري حتى لا تستغل الجماعة أي ثغرة في خطوط الدفاع.

وفيما تحاول الجماعة تثبيت مكاسبها وتوسيع نطاق نفوذها، تدفع القوات الحكومية والقوى العسكرية الجنوبية بتعزيزات لاحتواء التقدم واستعادة المواقع التي خسرتها، ومنع انتقال المعارك إلى عمق المحافظات الجنوبية.

ورغم المخاوف التي أثارها هذا التقدم، استبعد الخبير العسكري اليمني علي الذهب أن تكون الجماعة قادرة على مواصلة تقدمها والوصول إلى عدن، معتبراً أن اقترابها إلى مسافة نحو 100 كيلومتر من المدينة لا يعني أنها تملك القدرة على إخضاعها أو السيطرة على المحافظات المجاورة.

وقال الذهب في حديثه للأناضول إن “التقدم الحوثي في مساحات كبيرة مؤخرا، خاصة في تعز، لا يعكس حقيقة قوة الحوثيين أو سهولة وإمكانية وصولهم إلى عدن”، وإنما يكشف خللاً تنظيمياً في إدارة القوات التابعة للحكومة الشرعية.

وأوضح أن توحيد القرار العسكري للقوات الحكومية، وإعادة النظر في قياداتها وآليات بنائها وإدارتها، من شأنه تعزيز موقف الحكومة والحد من اندفاع الحوثيين.

وشدد على أن الوضع الميداني الراهن يختلف عن حاله عام 2015، حين تمددت الجماعة في محافظات يمنية عدة، من بينها عدن، قبل أن تفقد السيطرة عليها.

ورأى الذهب أن المكاسب التي حققها الحوثيون مؤخراً “مؤقتة”، وأن احتفاظهم بها يواجه تحديات عدة، أبرزها إمكانية معالجة القوات الحكومية أوجه القصور في أدائها، إضافة إلى ضعف الحاضنة الشعبية للجماعة في المناطق التي تقدمت إليها، وفق تقديره.

وفي تفسير آخر للتطورات الميدانية، لا يستبعد الذهب أن تكون بعض الفصائل والتيارات الموالية للحكومة قد تعمّدت استدراج الحوثيين إلى مناطق بعيدة عن مركز محافظة تعز، بهدف تخفيف الضغط العسكري على المدينة.

وبحسب تقديره، فإن إتاحة المجال للجماعة للتقدم جنوباً ربما دفعتها إلى الاعتقاد بإمكانية تحقيق مكاسب إضافية، لكنها في المقابل ساعدت على تخفيف الضغط عن القوات المدافعة عن مدينة تعز.

ويرى أن هذا التطور قد يعزز موقف القوات المناهضة للحوثيين في المدينة، ويجعل الجماعة أكثر عرضة للخسائر إذا حاولت استئناف هجماتها باتجاه مركز المحافظة.

وتبقى هذه القراءة تقديراً عسكرياً للذهب، في ظل صعوبة الجزم بما إذا كانت التحركات الحكومية الأخيرة نتيجة انسحابات فرضتها المعارك أم إعادة انتشار في إطار خطة عسكرية أوسع.

خسائر بشرية وقلق إنساني

ومع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد الخسائر البشرية والعسكرية على جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى من المقاتلين والمدنيين خلال التصعيد الأخير.

وتتفاوت الحصائل التي تعلنها الأطراف المتحاربة، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض مناطق الاشتباكات والتحقق المستقل من أعداد الضحايا وحجم الخسائر.

وتثير المعارك كذلك مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي تمر عبرها طرق الإمداد والنقل بين المحافظات، وما قد ينجم عن تعطيلها من صعوبات في حركة السكان ووصول السلع والمساعدات.

وبين محاولات الحوثيين تثبيت مكاسبهم وتحركات القوات الحكومية لاستعادة المواقع التي خسرتها، تتحول المقاطرة إلى اختبار ميداني لقدرة الطرفين على تغيير موازين القوى في جنوب غربي اليمن.

وفي حين يثير اقتراب المواجهات من عدن مخاوف بشأن أمن العاصمة المؤقتة، يرى الذهب أن حسم المعركة لن يتوقف على المسافات التي تقطعها القوات المتقدمة، بقدر ما يرتبط بقدرتها على الاحتفاظ بالأرض، ومدى نجاح القوات الحكومية في تجاوز اختلالاتها وتوحيد قرارها العسكري.