نوربرت فينر: الأب المنسي للذكاء الاصطناعي الذي أسس علم السيبرانية

نوربرت فينر: الأب المنسي للذكاء الاصطناعي الذي أسس علم السيبرانية

هل يستحق نوربرت فينر، الذي وضع أسس علم السيبرانية في أربعينيات القرن الماضي، أن يُصنف ضمن الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي الحديث إلى جانب آلان تورينغ وجون فون نيومان؟ تستعرض فرانس24 المسيرة غير المعروفة لهذا الرياضي العبقري، الذي كان أيضاً من أوائل المحذرين من مخاطر أتمتة المجتمع.

غالباً ما تبدأ رواية الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي بذكر البريطاني الشهير آلان تورينغ وآلته الحاسبة، ثم يضاف إليه عالم الرياضيات جون فون نيومان، الذي يُنظر إليه بصفته الأب الفكري للحواسيب القابلة للبرمجة. كما تذكر أحياناً أسماء مجموعة مؤتمر دارتموث، مثل جون مكارثي ومارفن مينسكي وغيرهما، باعتبارهم مخترعي الذكاء الاصطناعي.

لكن هناك شخصية أخرى، لا تقل عبقرية ولا إثارة، غالباً ما تُهمل أو تُصنف ضمن فئة الرواد من الدرجة الثانية، وهي نوربرت فينر، الأب المؤسس لعلم السيبرانية في أربعينيات القرن العشرين. ومع ذلك، يمكن اعتبار تطبيقات مثل تشات جي بي تي وكلود امتداداً مباشراً لأفكاره. أما ما إذا كان فينر، بمواقفه الأخلاقية والسياسية والعلمية، سيعترف بأبوته للنماذج اللغوية الكبرى الحديثة، فذلك سؤال آخر.

طفولة عبقري وحياة أكاديمية مبكرة

بدأت الحكاية في 26 نوفمبر 1894 في مدينة كولومبيا بولاية ميزوري الأمريكية، حيث وُلد نوربرت فينر في أسرة يهودية مهاجرة من أوروبا. ويقول الفيلسوف بيير كاسو-نوغيس، الأستاذ في جامعة باريس 8 ومؤلف كتاب أحلام نوربرت فينر السيبرانية، إن والده ليو فينر، أستاذ اللغات السلافية من أصل ليتواني، كان شديد الصرامة. وأضاف أنه تعامل مع ابنه كما لو كان مشروعاً شخصياً، محاولاً تشكيله على صورته، على الأقل وفق ما يرويه نوربرت فينر نفسه في سيرته الذاتية.

وهكذا أصبح نوربرت فينر، بحسب الفيلسوف والمتخصص في تاريخ التكنولوجيا في جامعة بلفور مونتبليار للتكنولوجيا ماتيو تريكلو، طفلاً معجزة في العلوم، متأثراً بوالده. فقد تعلم القراءة قبل بلوغه سن الرابعة، وحصل على ما يعادل شهادة الثانوية العامة وهو في الحادية عشرة، ثم نال جائزة في الرياضيات في سن الرابعة عشرة، قبل أن يحصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات من جامعة هارفارد وهو في الثامنة عشرة فقط. وبعد سنوات قليلة، عينه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أستاذاً، ليصبح أحد أصغر الأساتذة في تاريخه.

مبادئ السيبرانية وتأثيرها على الذكاء الاصطناعي

من هذا الموقع، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طور فينر أفكاره التي سيكون لها، وفق فيليب ماتيو، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة ليل، تأثيراً واسعاً في مجالات عدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل الروبوتات، وأنظمة التحكم الآلي، والأنظمة متعددة الوكلاء. فالسيبرانية، وهو العلم الذي وضع أسسه منذ عام 1943 في مقال تأسيسي، ثم عرضه بالتفصيل في كتابه السيبرانية: التحكم والتواصل في الكائنات الحية والآلات الصادر عام 1948، تدرس ظواهر التحكم ونقل المعلومات بالطريقة نفسها لدى الإنسان والحيوان والآلة، كما يوضح بيير كاسو-نوغيس.

وبمعنى آخر، رأى نوربرت فينر وأنصار السيبرانية أنه من الممكن إقامة أوجه تشابه بين الطريقة التي يعالج بها الدماغ البشري المعلومات، وتلك التي تعالج بها الآلات البيانات. عملياً، ألهمت هذه المبادئ نوربرت فينر خلال الحرب العالمية الثانية لتطوير نظام دفاع جوي مضاد للطائرات من نوع جديد، وكان هدفه تصميم منظومة قادرة على التكيف في الزمن الحقيقي مع حركة الصواريخ والطائرات، وأن تتعلم من أخطائها، وهي تعد من أولى البدايات لما يعرف اليوم باسم التعلم الآلي.

ويشرح فيليب ماتيو أن الفكرة الجوهرية في السيبرانية تمثل في فهم كيفية تكيف الكيان مع بيئته ومع المعلومات المتاحة له، فالذكاء يُنظر إليه بوصفه نتيجة للتفاعل بين الكائن، سواء كان حياً أو غير حي، وبين محيطه. ومن جانبه، يرى رودولف زايسينغ، المتخصص في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بالمتحف الألماني في ميونيخ، أن السيبرانية تمثل نوعاً من العلوم الشاملة، إذ تجمع بين الرياضيات والهندسة والمنطق والفيزياء، فضلاً عن علم النفس والعلوم الاجتماعية.

وربما يفسر هذا الطابع متعدد التخصصات سبب اقتران اسم نوربرت فينر بدرجة أقل بتاريخ الذكاء الاصطناعي مقارنة بآلان تورينغ أو جون فون نيومان، اللذين كان تأثيرهما أكثر مباشرة في تطور علوم الحوسبة. لكن بالنسبة إلى ماتيو تريكلو، فإن التأثير غير المباشر للسيبرانية على الذكاء الاصطناعي كان بالغ الأهمية. فبين عامي 1946 و1953، جمعت مؤتمرات ماسي نخبة من العلماء المهتمين بأفكار نوربرت فينر، وشارك فيها بعض أبرز الأسماء في تاريخ الذكاء الاصطناعي، مثل جون فون نيومان وكلود شانون، وكانوا آنذاك يعدون أنفسهم من أنصار السيبرانية.

وكان من بين مؤسسي هذه المؤتمرات أيضاً عالم النفس جوزيف كارل روبنيت ليكلايدر، الذي يصفه ماتيو تريكلو بأنه إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ المعلوماتية الأمريكية. وتولى ليكلايدر لاحقاً إدارة وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (داربا)، حيث لعب دوراً أساسياً في تمويل وتطوير شبكة الإنترنت، كما اهتم في ستينيات القرن الماضي بتطوير تقنيات التفاعل بين الإنسان والآلة. وفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أشرف نوربرت فينر كذلك على أعمال الباحث والتر بيتس، الذي وضع، إلى جانب وارن ماكولوتش، الأسس الأولى لنماذج الشبكات العصبية الاصطناعية في أربعينيات القرن الماضي.

تحذيرات فينر من مخاطر الأتمتة ورفضه مشروع مانهاتن

تعد هذه الأعمال، التي انبثقت من السيبرانية، أساسية لفهم النماذج اللغوية الكبرى المستخدمة اليوم. فإذا كانت السيبرانية نفسها تبدو اليوم وكأنها أصبحت جزءاً من تاريخ العلوم، فإنها مهدت الطريق لظهور الشبكات العصبية، ومنها نشأ التيار المعروف بالاتجاه الترابطي (connexionniste)، الذي يشكل القلب النابض للذكاء الاصطناعي الحديث، بما في ذلك تشات جي بي تي وسائر تطبيقات القرن الحادي والعشرين. غير أن إسهام نوربرت فينر لم يقتصر على توفير البيئة الفكرية التي نشأ فيها الذكاء الاصطناعي، بل كان أيضاً، وفق بيير كاسو-نوغيس، من أوائل من حذروا من مخاطره.

فهذا الرياضي المعروف بطباعه الحادة ونوبات غضبه الشهيرة، أدرك مبكراً الأخطار التي قد تنجم عن بعض الأبحاث العلمية، ولذلك رفض المشاركة في مشروع مانهاتن الذي أفضى إلى تطوير أول قنبلة ذرية. وبعد قصف هيروشيما وناغازاكي، نشر فينر رسالة مفتوحة شهيرة أعلن فيها عزمه التخلي عن الرياضيات بعدما أدرك أن أبحاثه قد تستخدم في تطوير أسلحة دمار شامل، بحسب بيير كاسو-نوغيس، وقد حظيت هذه الخطوة آنذاك بدعم العالم ألبرت أينشتاين.

وفي الوقت نفسه، رأى فينر، منذ العام 1948، إمكانية قيام مجتمع يعتمد بالكامل تقريباً على الأتمتة (automatisation)، وهي في نظره تطورات قد تقود البشرية إما إلى عالم يتحرر فيه الإنسان من عبء العمل، أو إلى جحيم اجتماعي تسوده البطالة الجماعية، كما يوضح بيير كاسو-نوغيس. وانطلاقاً من ذلك، خلص إلى أنه لا ينبغي له التخلي عن أبحاثه، بل مواصلة العمل من أجل التأثير في مسار هذا المجال العلمي.

وكان نوربرت فينر، الذي صنف في كثير من الأحيان ضمن التيار اليساري، بل واشتبهت السلطات الأمريكية خلال الحرب الباردة في تعاطفه مع المعسكر السوفييتي، من أوائل من حذروا من التداعيات الاجتماعية المرتبطة بظهور الآلات. وفي هذا السياق، يرى ماتيو تريكلو أن السيبرانية مشروع سياسي بامتياز، تحركه أيضاً مخاوف من بطالة تكنولوجية قد تسببها الآلات التي تحل محل العمال. ويضيف أن المثير للدهشة هو قراءة هذه الأفكار منذ عام 1947، في وقت كانت فيه الحواسيب لا تزال نادرة للغاية.

لكن في نظر نوربرت فينر، فإن هذا الخطر لن يتحقق إلا إذا وقعنا في الاستخدام اللاإنساني للبشر، كما يوضح تريكلو. وبعبارة أخرى، يعتقد نوربرت فينر أن الروبوتات لا يمكنها أن تحل محل البشر، إلا إذا اختزلنا البشر إلى مجرد روبوتات من خلال إنكار كل ما يميز بين البشر والآلة. ورغم أن مصطلح السيبرانية لم يعد متداولاً اليوم كما كان في الماضي، فإن أفكار مؤسسها تبدو أكثر ملاءمة لعصرنا من أي وقت مضى، في ظل لجوء شركات كثيرة إلى الترويج لانتصار الذكاء الاصطناعي، لتبرير موجات تسريح الموظفين.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك