رفض البرهان للهدنة يثير الجدل حول علاقته بالإسلاميين في السودان

رفض البرهان للهدنة يثير الجدل حول علاقته بالإسلاميين في السودان

أعلن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في أول تعليق علني له على الضغوط الأميركية الداعية لوقف إطلاق النار، رفضه القاطع لأي تسوية تنهي الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. وقال البرهان أمام حشد في استاد الخرطوم: “هدفنا القضاء على هذه الميليشيا مهما كان الثمن.. وتطهير السودان حتى دارفور”، مؤكداً أن قواته ستواصل القتال دون توقف.

تحدٍ لواشنطن وأزمة التأشيرة

ولم يكتف البرهان بإغلاق الباب أمام الهدنة، بل خرج بتصريحات تحدٍ واضحة تجاه الولايات المتحدة بعد رفضها منحه تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال: “لا نريد تأشيرة من أي دولة، ولا نريد إذناً من أحد”، مضيفاً: “لن نتراجع ولن ننحني ولن نساوم”. وتربط تقارير إصدار التأشيرة بموافقة البرهان على مقترح هدنة إنسانية غير مشروطة لمدة تسعين يوماً، تهدف إلى إيصال المساعدات للملايين وفتح الطريق أمام وقف دائم لإطلاق النار وحكم مدني.

لكن رد البرهان لم يتضمن أي التزام بوقف القتال أو حماية المدنيين، كما لم يقدم مساراً سياسياً بديلاً. وجاء خطابه محملاً بلغة التعبئة والمواجهة، ووعود بالتقدم العسكري نحو دارفور، في وقت يعاني فيه السودان من أزمتي نزوح وجوع غير مسبوقتين، وتتهدد المجاعة مناطق واسعة من البلاد.

رفض صريح لجوهر الهدنة

تكمن خطورة تصريحات البرهان في أنها لا تعترض على تفاصيل فنية داخل مقترح الهدنة، بل ترفض جوهره القائم على وقف القتال فوراً دون شروط مسبقة. فالرجل الذي يقود الجيش اختار أن يعلن استمراره في الحرب “مهما كان الثمن”، دون أن يوضح من سيدفع هذا الثمن في بلد قتل وشرد وجاع الملايين من سكانه، ودمرت مدنه واقتصاده ومؤسساته.

وكانت الخارجية الأميركية قد أكدت أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقيادتيهما لا تمثلان حكماً شرعياً أو دستورياً للسودان، وأن سلوك قائدي الطرفين يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد. كما طالبت بقبول الهدنة الإنسانية والانخراط في عملية سياسية شاملة تعيد السلطة للمدنيين.

وبهذا المعنى، لم تكن أزمة التأشيرة حدثاً منفصلاً عن مسار الحرب، بل تحولت إلى أداة ضغط على قيادة عسكرية ترفض وقف القتال. وجاءت تصريحات البرهان لتؤكد أن اعتراضه لا يتعلق بالإجراءات الأميركية وحدها، وإنما بالمقاربة التي تسعى لإنهاء الحرب ومنع طرفيها من تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية.

هتافات الإسلاميين تعود إلى الواجهة

تزامن خطاب البرهان مع تظاهرات قال مراقبون إن الحركة الإسلامية السودانية (تنظيم الإخوان) نظمتها ودفعت أنصارها للمشاركة فيها، ورُفعت خلالها شعارات وهتافات معادية للولايات المتحدة. وأعادت تلك المشاهد إلى الأذهان هتافات المواجهة مع واشنطن التي هيمنت على الحياة السياسية في السودان في تسعينيات القرن الماضي، عندما استُخدم العداء للخارج أداة للتعبئة الداخلية.

ويرى مراقبون أن استدعاء الشعارات القديمة ليس مجرد رد عاطفي على أزمة التأشيرة، بل محاولة لتحويل رفض الهدنة إلى قضية سيادة وطنية، وتصوير المطالبة بوقف الحرب وكأنها مؤامرة خارجية، رغم أن السودانيين يتحملون يومياً كلفة استمرار القتال.

وفي هذا السياق، قال الناشط القانوني والمؤيد للحكم المدني محمد خليل لـ”سكاي نيوز عربية”: إن “المسيرات التي نظمتها الحركة الإسلامية، إضافة إلى أحاديث البرهان وإصراره على استمرار الحرب، تعيد السودان إلى أجواء أوائل التسعينيات”. وأضاف: “هذه التطورات تحسم سؤال من أشعل الحرب ومن المستفيد من استمرارها”. وتابع: “الآن بات واضحاً أن البرهان لا يتحالف مع جماعة الإخوان في السودان من أجل أن يحكم، بل هو عنصر من عناصرها يعمل لمصلحة الجماعة، ولن يوقف الحرب قبل أن تنتهي مهمته المتمثلة في إعادتها إلى الحكم”.

وتعكس تصريحات خليل موقف قطاع واسع من الشارع السوداني يتهم عناصر النظام السابق وشبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية بالعمل على إطالة القتال وعرقلة الهدنة، خوفاً من أن يؤدي وقف الحرب إلى عملية سياسية تعيد الحكم المدني وتغلق الطريق أمام عودتها إلى السلطة.

تناقض بين الخطاب والواقع الدبلوماسي

وفي موازاة تحدي البرهان لواشنطن، كشف سفير السودان لدى الولايات المتحدة، المعين من قبل سلطة بورتسودان، محمد عبد الله إدريس، أن جواز سفر البرهان لا يزال لدى السفارة الأميركية في القاهرة، حيث قُدم ضمن إجراءات الحصول على التأشيرة. ويكشف بقاء الجواز تناقضاً لافتاً بين الخطاب الجماهيري الغاضب والواقع الدبلوماسي: فالبرهان الذي يقول إنه لا يريد تأشيرة أميركية، كان قد تقدم رسمياً للحصول عليها، واحتفظت السفارة بجواز سفره، بينما كثفت حكومته اتصالاتها مع الأمم المتحدة للضغط من أجل إصدارها.

وقال مراقب سياسي فضل عدم الكشف عن هويته لـ”سكاي نيوز عربية”: “لو كان البرهان فعلاً لا يريد تأشيرة، فليسحب جواز سفره أولاً من السفارة الأميركية في مصر، بدلاً من الهتافات والزعيق أمام الجماهير في الخرطوم”. وأضاف أن تحويل الإخفاق الدبلوماسي إلى مناسبة للتعبئة لا يغير حقيقة أن البرهان كان يريد المشاركة في اجتماعات نيويورك، ليكسب شرعية زائفة، وكان يعوّل على لقاءات مع مسؤولين أميركيين ودوليين.

تحالف الحرب والعزلة

يعيد المشهد الحالي إنتاج معادلة عرفها السودان خلال حكم الإسلاميين: حرب داخلية مفتوحة، وخطاب تعبوي ضد الخارج، ومحاولة تقديم العزلة الدولية كبطولة وطنية، بينما يتحمل المواطنون نتائج الانهيار الاقتصادي والجوع والنزوح. ولا تنفصل لهجة البرهان عن صعود عناصر النظام السابق داخل المشهد السياسي والإعلامي والعسكري. فكلما اقتربت الضغوط الدولية من فرض هدنة أو فتح عملية سياسية مدنية، ارتفعت أصوات الإسلاميين الرافضة للتفاوض، وعادت شعارات التخوين والمواجهة مع المجتمع الدولي.

كما أن تصوير الهدنة باعتبارها مكافأة للدعم السريع يتجاهل حقيقة أن وقف القتال مطلب لحماية المدنيين، وليس اعترافاً سياسياً بأي طرف مسلح. فالهدنة لا تمنح الدعم السريع شرعية، كما لا تمنح الجيش حق احتكار السلطة؛ بل توقف القتل وتفتح الطريق أمام عملية سياسية تعيد القرار إلى السودانيين. ويظل الطرفان مسؤولين عن الانتهاكات والدمار، لكن رفض البرهان العلني للهدنة، واقتران موقفه بتعبئة إسلامية معادية لمسار السلام، يضع قيادة الجيش أمام مسؤولية مباشرة عن إضاعة فرصة جديدة لوقف الحرب.

الحرب ليست تفويضاً بالحكم

أراد البرهان أن يجعل من حجب تأشيرته معركة كرامة وطنية، لكن القضية الحقيقية ليست دخوله إلى نيويورك؛ بل رفضه وقف حرب يدفع السودانيون وحدهم ثمنها. والهتافات ضد الولايات المتحدة لا توفر الطعام للنازحين، ولا تعيد تشغيل المستشفيات، ولا توقف المسيّرات، ولا تمنح الحكم العسكري شرعية فقدها منذ انقلاب أكتوبر 2021. والاختبار الحقيقي أمام قيادة الجيش ليس في ارتفاع صوت البرهان داخل صالات الحفلات وملاعب كرة القدم، وإنما في استعداده لقبول هدنة فورية، وفتح الممرات الإنسانية، وإنهاء نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، وتسليم السلطة عبر عملية سياسية مدنية.

أما الإصرار على الحرب “مهما كان الثمن”، وإحياء خطاب التسعينيات، وتحويل الجيش إلى جسر لعودة الحركة الإسلامية، فلا يقود إلى استعادة الدولة، بل إلى تعميق خرابها وعزلتها. وتبدو الرسالة التي خرج بها السودانيون من المشهد أكثر وضوحاً: البرهان والإسلاميون لا يدافعون عن سيادة السودان بقدر ما يدافعون عن حرب تمنحهم النفوذ والحكم، وتؤجل عودة السلطة إلى المدنيين.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك