مأساة بن قردان: غرق قارب المهاجرين يكشف أزمة اقتصادية وأمل مفقود
السياق الاقتصادي والاجتماعي في بن قردان
مدينة بن قردان الحدودية مع ليبيا تعتمد بشكل كبير على النشاط التجاري عبر المعبر، لكنه غير مستقر ويتراجع باستمرار. يعيش الكثير من السكان على هامش هذا التبادل، حيث تتأثر معيشتهم بالخلافات السياسية بين تونس وسلطات غرب ليبيا وبغياب التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاقيات المشتركة. نتيجة لذلك، يواجه المواطنون صعوبات مالية مستمرة، إذ ارتبطت حياتهم لعقود بالحركة التجارية عبر الحدود، وتفاقمت الضغوط خلال السنتين الماضيتين.
غياب الاستثمارات والمشاريع التنموية يجعل التجارة الموازية، مثل تهريب الوقود والسلع، المصدر الرئيسي للدخل للكثير من الأسر، ورغم ذلك تواجه هذه النشاطات قيوداً متزايدة تزيد من الضغوط على السكان.
شهادات الخبراء حول أسباب الهجرة
يؤكد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير أن أول عامل يدفع نحو الهجرة غير النظامية هو قرار الاتحاد الأوروبي عام 1983 فرض تأشيرة الدخول على التونسيين، ما جعل الحصول على إذن دخول صعباً ودفع العديد إلى سلوك طرق خطرة. ويضيف أن الدخول إلى منطقة شنغن اليوم أصبح بالنسبة للشباب التونسي وغيره من المستحيلات السبعة، وبالتالي يختارون طريق الموت سواء كانوا تونسيين أم لا.
ويشير عبد الكبير إلى أن السبب الثاني وراء هذه الظاهرة هو الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الشباب، حيث يسعون إلى حياة كريمة ويرون أن العالم أصبح قرية يستطيعون من خلالها رؤية حياة الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يثير سؤالاً عن سبب عدم تمتعهم بنفس المستوى المعيشي.
ويذكر أن سكان بن قردان يدفعون ثمن وجود عشرات الآلاف يعيشون على الهامش، وأن المعبر التجاري وتجارة الحدود غير المستقرة هي أساس معيشتهم، خصوصاً في ظل الخلافات السياسية وعدم التقارب الرسمي بين تونس وليبيا.
من جهته، يوضح الباحث في قضايا الهجرة رمضان بن عمر أن الصورة النمطية لشباب بن قردان كطبقة ميسورة مالية نتيجة التجارة البينية مع ليبيا تغيرت بعد تدهور الوضع في ليبيا وبعد قرار تونس إنشاء ساتر ترابي قضى على نموذج التهريب المحلي دون تقديم بدائل اقتصادية.
ويشير بن عمر إلى أن العوامل الدافعة للهجرة غير النظامية تتعمق، وهي أساساً اقتصادية واجتماعية، وأن المقاربة المطروحة حصراً هي أمنية، حيث تنظر الدولة إلى جميع المشاكل من خلال عدسة أمنية فقط، ويظل الحرس الوطني هو الطرف الوحيد المتحدث في هذا الملف.
ويحذر من أن إغلاق الحدود دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية يشبه صب الزيت على النار، ويتوقع أن تؤدي هذه السياسة إما إلى احتجاجات عنيفة أو إلى موجات هجرة غير نظامية من السواحل التونسية لا يمكن السيطرة عليها.
تفاصيل غرق القارب والاستجابة الرسمية
في فجر التاسع عشر من أغسطس/ آب الحالي، أقل أربعة عشر شاباً من بن قردان وشاب من مدينة جرجيس قارباً متهالكاً متجهين إلى إيطاليا، فغرق اثنا عشر منهم في الأمواج بينما نجا اثنان فقط.
لم تصدر أي تعقيبات من الحكومة التونسية أو رئاسة الجمهورية حول الحادث، فيما أعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني عبر بيان يوم الاثنين أن عمليات البحث ستستمر حتى يتم العثور على جثث المفقودين.
مطالب التنمية والنقد للسياسات
يشتكي أهالي بن قردان من تراجع النشاط التجاري الذي يعتمد عليه المعبر مع ليبيا ومن تشديد الخناق على التجارة الموازية التي تمثل شريان الحياة الاقتصادي للمدينة في ظل غياب الاستثمارات والتنمية.
ويطالب النائب عن بن قردان علي زغدود، في تصريح إذاعي عقب غرق القارب، بوضع خطة واضحة وعاجلة للتنمية في المدينة، معتبراً أن تردي الظروف الاقتصادية والاجتماعية وانعدام فرص العمل وتعطيل الحركة التجارية عبر الحدود دفع العديد من الشباب إلى البحث عن حلول محفوفة بالمخاطر، ومنها الهجرة عبر البحر.
وينتقد ما وصفه بغياب الدولة عن المناطق الحدودية، مشيراً إلى أن بن قردان تفتقر إلى المؤسسات والمصانع والشركات والبنية التحتية ومشاريع الاستثمار الكبرى القادرة على توفير فرص عمل.
وتؤكد السلطات التونسية أنها تبذل كل الجهود الممكنة لتحقيق التنمية في جميع الجهات، خاصة في ظل الأوضاع الدولية الصعبة والمتقلبة التي تؤثر سلباً على الدول النامية.
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
