حادثة جلد في سبها تثير جدلاً قانونياً وحقوقياً وتعيد النقاش حول العلاقة بين الدين والدولة في ليبيا
من السلاح إلى المؤسسات
يؤكد أستاذ العلوم السياسية الليبي ورئيس حزب ليبيا الكرامة الدكتور يوسف الفارسي أن المجتمع الليبي ظل يرفض محاولات فرض أي رؤية دينية بالقوة، مشيراً إلى أن التنظيمات المتشددة استخدمت الدين غطاءً لمشروع سياسي وأيديولوجي لا يعكس جوهر الشريعة الإسلامية.
وقال في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” إن هذه الجماعات اعتمدت مسارين متوازيين: أولهما السيطرة المسلحة وفرض الأمر الواقع، وهو مسار انتهى بعد المواجهة العسكرية التي دعمتها قطاعات واسعة من الليبيين حتى تم القضاء على أبرز معاقل الإرهاب.
وأضاف أن المسار الثاني كان أكثر هدوءاً وأطول نفساً، إذ اعتمد على محاولة التأثير في الوعي المجتمعي عبر التعليم والخطاب الديني وبعض القرارات الإدارية، بما يضمن استمرار حضور المشروع الأيديولوجي بعيداً عن المواجهة العسكرية، مع تنفيذ عمليات متفرقة بين الحين والآخر لإثبات استمرار النشاط.
وأشار الفارسي إلى أن الجنوب الليبي لا يزال يمثل إحدى الساحات التي تسعى التنظيمات المتشددة إلى استغلالها، سواء عبر نشر الفكر المتطرف أو من خلال استهداف البوابات الأمنية والمعابر الحدودية ومناطق الانتشار العسكري.
وشدد على أن استكمال بناء مؤسسات الدولة واحتكارها وحدها سلطة إنفاذ القانون وتعزيز الخدمات العامة وترسيخ خطاب ديني وسطي يمثل الركائز الأساسية لمنع تكرار هذه التجارب وإغلاق المجال أمام أي مشروع يسعى إلى فرض رؤيته الأيديولوجية على المجتمع.
إشكاليات قانونية وحقوقية
من جانبها ترى الخبيرة القانونية والدستورية الليبية الدكتورة جازية شعيتير أن واقعة الجلد في سبها كشفت عن تداخل معقد بين الاعتبارات القانونية والشرعية والحقوقية، مؤكدة أن تنفيذ الأحكام يجب أن يكون وفق الضمانات التي يكفلها القانون والشريعة معاً وبما يصون كرامة الإنسان.
وقالت لـ”سكاي نيوز عربية” إن تحقيق العدالة لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات تفتقد إلى المشروعية القانونية أو تمس الكرامة الإنسانية، معتبرة أن ما جرى في سبها يثير مسؤولية قانونية تستوجب التحقيق والمساءلة لكل من شارك فيه أو سمح بوقوعه.
وأضافت أن فتح السلطات الليبية تحقيقاً في الواقعة يمثل خطوة ضرورية لترسيخ مبدأ سيادة القانون، ويؤكد أن تنفيذ الأحكام القضائية يجب أن يبقى اختصاصاً حصرياً للدولة، وفق إجراءات واضحة تخضع لرقابة القضاء، بعيداً عن أي ممارسات قد تفتح الباب أمام توظيف الدين أو القانون خارج الأطر المؤسسية.
تحديث القوانين ورفض شعبي
من جانبه يرى المحلل السياسي الليبي حسام فنيش أن المزاج العام في ليبيا يرفض الفكر المتشدد والمتطرف، مشيراً إلى أن المجتمع الليبي عرف تاريخياً بوسطيته، وأن محاولات فرض أنماط دينية أو اجتماعية بالقوة لم تلقَ قبولا شعبياً، وهو ما برز في الموقف من التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الماضية.
ويؤكد فنيش في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” أن واقعة سبها تطرح تساؤلات تتجاوز الحادثة نفسها لتفتح نقاشاً بشأن المنظومة التشريعية وآليات تنفيذ الأحكام في ليبيا، ويقول إن من الضروري مراجعة الإطار القانوني المنظم لتنفيذ الأحكام.
ويضيف أن القاضي، حتى في القضايا التي يمنحه فيها القانون سلطة تقديرية، يملك بدائل متعددة عند إصدار العقوبة وهو ما يدفع -بحسب رأيه- إلى التساؤل عن الظروف والملابسات التي أحاطت بقرار تنفيذ الحكم بهذه الكيفية، داعياً إلى تحقيق شامل لا يقتصر على الجوانب الإجرائية بل يمتد إلى بحث الخلفيات والدوافع التي أفضت إلى وقوع الحادثة.
ولا يستبعد فنيش أن تكون الواقعة قد استُغلت لإثارة توترات كامنة في الجنوب الليبي، خاصة في ظل هشاشة الوضع الأمني وانتشار بعض التيارات المتشددة في مناطق متفرقة، محذراً من احتمال تكرار حوادث مشابهة في مناطق بعيدة عن نفوذ السلطة المركزية، إذا لم تعزز مؤسسات الدولة حضورها وتفرض سيادة القانون بصورة متساوية على جميع الأراضي الليبية.
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
