الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قطاع الطاقة العالمي ويفتح آفاقاً استثمارية جديدة
يشهد قطاع الطاقة تحولاً غير مسبوق بفعل التوسع الهائل في استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تتحول مراكز البيانات من مجرد مستهلك هامشي للكهرباء إلى أحد المحركات الرئيسية للطلب العالمي على الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن هذه المراكز استهلكت نحو 485 تيراوات-ساعة في العام 2025، ما يعادل حوالي 1.5 بالمئة من إجمالي استهلاك الكهرباء في العالم، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية.
غير أن الأهم من هذه الحصة الحالية هو معدل النمو المتسارع. فالتوقعات الرئيسية للوكالة تفيد بأن الاستهلاك سيتضاعف أكثر من مرتين ليبلغ نحو 945 تيراوات-ساعة بحلول العام 2030، وهو رقم يتجاوز قليلاً إجمالي ما تستهلكه اليابان حالياً، ثم يرتفع إلى 1.200 تيراوات-ساعة بحلول العام 2035.
هيمنة أميركية وصينية على استهلاك الكهرباء
تستأثر الولايات المتحدة بحوالي 45 بالمئة من إجمالي الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات عالمياً، تليها الصين بنسبة 25 بالمئة، ثم أوروبا بنحو 15 بالمئة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. ورغم تباين التقديرات بشأن حجم استهلاك مراكز البيانات في الولايات المتحدة بحلول العام 2030، فإن جميعها يجمع على اتجاه تصاعدي حاد. فبحسب مختبر لورنس بيركلي الوطني، قد تمثل مراكز البيانات نحو 11.8 بالمئة من إجمالي الطلب على الكهرباء في أميركا، ضمن نطاق يتراوح بين 9.5 و15.3 بالمئة. في حين يقدّر معهد أبحاث الطاقة الكهربائية (EPRI) النسبة بين 9 و17 بالمئة، وتتوقع شركة ماكينزي أن تتراوح بين 11 و12 بالمئة.
والمفارقة أن هذه التقديرات تنطلق من مستوى لا يتجاوز حالياً 3 إلى 5 بالمئة، مما يعكس سرعة النمو الاستثنائية. فبعد أن كان استهلاك مراكز البيانات يمثل حصة هامشية من الطلب الوطني قبل بضع سنوات فقط، أصبح مرشحاً ليشكل نحو ثُمن إجمالي الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة. ورغم اتساع نطاق التوقعات، فإن السيناريو الأساسي الأكثر احتمالاً يشير إلى ارتفاع الاستهلاك بمعدل يتضاعف عدة مرات خلال الأعوام الأربعة أو الخمسة القادمة.
البنية التحتية المادية: من الطاقة إلى الشبكات والمعدات
هذا الطلب المتزايد يحوّل الذكاء الاصطناعي من صناعة افتراضية إلى قطاع مادي بحت، يتطلب توليد الطاقة، وخطوط النقل، والمحولات، وأنظمة التبريد، والمياه، والأراضي. وبالتالي يتسع نطاق الاستثمار ليشمل أكثر من مجرد شركات التكنولوجيا.
فيما يتعلق بتوليد الطاقة، لا يوجد مصدر وقود واحد يهيمن على المشهد. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تلبي الطاقة المتجددة نحو نصف النمو في الطلب على مراكز البيانات، مما يضيف أكثر من 450 تيراوات-ساعة بحلول العام 2035، بفضل قصر فترات الإنشاء وانخفاض التكلفة. ويغطي الغاز الطبيعي معظم النسبة المتبقية، خاصة في الولايات المتحدة حيث تدعمه السياسات وتوفر الإمدادات الرخيصة. أما الطاقة النووية فتسهم على مدى زمني أطول، مع إحياء الاهتمام بالمفاعلات الصغيرة المعيارية (Small Modular Reactors)، وهي وحدات مدمجة تُبنى على مراحل، ومن المتوقع أن تبدأ بالظهور بحلول العام 2030 وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
وتبرز شبكات الكهرباء كعائق رئيسي أمام التوسع، مما يعود بالنفع على الجهات القادرة على تقديم حلول فعّالة. فبناء خطوط نقل جديدة في الاقتصادات المتقدمة يستغرق من أربع إلى ثماني سنوات، كما أن فترات الانتظار للمحولات والكابلات تضاعفت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن إدارة شبكات الكهرباء بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد تحرر ما يصل إلى 175 غيغاواط من سعة النقل من دون الحاجة إلى بناء خطوط جديدة.
التمويل: فجوة ضخمة تستقطب رؤوس أموال خارجية
حجم الإنفاق المقدّر بنحو 3.9 تريليونات دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة يتجاوز قدرة ميزانيات الشركات وحدها، مما يفتح الباب أمام رؤوس أموال خارجية. ووفق بيانات فانغارد، بلغ متوسط إصدارات الديون السنوية لأكبر خمس شركات تقنية (hyperscalers) حوالي 35 مليار دولار سنوياً بين عامَي 2020 و2024، ثم قفز إلى 93 ملياراً في العام 2025، ونحو 132 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2026.
وتظهر هياكل تمويل جديدة، ففي أغسطس 2026 أعلنت شركة إنفيديا شراكات مع عدة مديري أصول عالميين لإطلاق منصات تهدف إلى استقطاب أكثر من 500 مليار دولار من رؤوس أموال المستثمرين، مما يمنح مشغلي السحابة والمؤسسات موارد تمويل مخصصة للأنظمة القائمة على تقنيات إنفيديا. وتتعامل هذه الترتيبات مع القدرة الحسابية كبنية تحتية إنتاجية قادرة على تحقيق إيرادات طويلة الأجل. وبالنسبة للمحافظ الاستثمارية المتنوعة، فإن الانكشاف الحقيقي قد يوجد في البنية التحتية والائتمان الخاص والأصول المادية، وليس فقط في أسهم التكنولوجيا.
فرصة لدول الخليج
هذه القصة ليست أميركية فقط، فالتحوّل نحو الخارج يعنى المستثمرين في المنطقة بشكل مباشر. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يكون أكثر من نصف الطاقة المستهلكة من مراكز البيانات خارج الولايات المتحدة، مع بحث المشغلين عن الطاقة والأراضي والموارد الحسابية. وتبرز دول الخليج كأكبر المستفيدين، حيث تسعى شركة HUMAIN في السعودية إلى تطوير سعة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تصل إلى 1.9 غيغاواط بحلول العام 2030، ثم 6.6 غيغاواط في 2034. كما أعلنت الإمارات إنشاء مجمع في أبوظبي بقدرة 5 غيغاواط يُعد من أكبر مشروعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. وخصصت قطر استثمارات كبيرة لتوسيع قدراتها. وتتمتع المنطقة بانخفاض تكاليف الطاقة نسبياً، وبنية تحتية متطورة للاتصالات، وموقع جغرافي استراتيجي.
المخاطر والتحديات
مسار النمو ليس خالياً من التحديات. يتمثل الخطر الأول في مستوى الطلب نفسه، الذي يعتمد على افتراضات حول تبني التكنولوجيا وقدرتها على تحقيق الإيرادات والكفاءة التشغيلية، وقد تتغير هذه المعطيات إذا أسهمت التطورات في تصميم الشرائح والنماذج الذكية في خفض استهلاك الطاقة. أما الخطر الثاني فيتعلق بكفاءة التنفيذ، حيث تؤدي تحديات ربط المشاريع بالشبكات وطول فترات توريد المعدات ونقص الكفاءات إلى تأخير العديد من المشاريع. ويكمن الخطر الثالث في الجانب المالي، فالعوائد المستقبلية شديدة الحساسية لأي انحراف في الافتراضات الأساسية. وهناك أيضاً بُعد اجتماعي وتنظيمي، إذ قد يؤدي النمو السريع في الطلب على الكهرباء إلى ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر والشركات.
ورغم أهمية هذه المخاطر، فإنها لا تغيّر من الاتجاه العام للنمو، بل تؤكد ضرورة التعامل معه كفرصة استثمارية طويلة الأجل في البنية التحتية. وقد يكون النهج الأكثر اتزاناً هو بناء استثمارات مدروسة وموزعة عبر حلقات سلسلة القيمة، بدلاً من الرهان المباشر على عدد محدود من الشركات.
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
