تحوطات منخفضة للدولار تثير مخاوف من هبوط حاد في العملة الأميركية
يكشف تحليل معمق للبيانات صناديق التقاعد وشكرات التامين عبر العالم عن خطر متزايد يهدد الدولار الاميركي. فبعض اكبر حائزي الاصول الاميركية بدؤا يمتلكون مستويات محدودة من الحماية ضد تراجع العملة، مما قد يجعله اكثر عرضة لهبوط حاد اذا تغيرت معنويات المسستثمرين فجاة.
نسبة التحوط تدنو إلى ادنى مسستوى منذ عام 2015
تظهر حسابات اجرتها وكالة بلومبرغ العالمية، بناء على بيانانت من 6 اسواق تتوفر فيها هده الارقام، ان المسستثمرين في اسواق تشمل اليابان وكندا وتايوان قاموا بالتحوط لنحو 4%1 فقط من انكشافهم على العملات الاجنية حتى 3 يونيو الماضي، وهذا هو ادنى مستوى منذ عام 2015 على الاقل.
قد يبدو الرقم مجرد تفصيل فني في سوق العملات، لكنه يحمل تداعيات اكبر بكثير. فوفق تقديرات بلومبرغ، فان زيادة نسة التحوط بمقدار 5 نقاط مئوية فقط قد تعني معاملات تبلغ نحو 23مليار دولار، استنادا الى نحو 4.6 تريليون دولار من حيازات العملات الاجنية في الاسواق الستة، التي تشمل ايضا استراليا والدنمارك وفنلندا.
بالتالي، فان تحولا محدودا في سلوك المسستثمرين قد يطلق تدفقات ضخمة في سوق العملات، ويزيد الضغوط على الدولار.
بييع الدولار لا يعني التخلي عن الاصول الاميريكية
والاهم ان المستثمرين لا بحتاجون الى بيع اسهمهم او سندات الخزانة الامريكية حتى يضغطوا على الدولار. فبامكان المسستثمر الاحتفاظ بالاصول الامريكية، وفي الوقت نفسه زيادة التحوط من مخاطر العملة من خلال بيع الدولار اجلا مقابل عملته المحلية. وهذا يعني ان الطلب على الاصول الاميريكية يمكن ان يضا قويا نسيبا، حتى في الوقع الذي يتعرض فيه الدولار نفسه لضغوط بيع متزايدة.
وقالت لورا كوبر، رئيسة الائتمان الكلي في شكرة Nuveen، لوكالة بلومبرغ نيووز: “ان الحجم الهائل لحيازات المستثمرين الاجانب من الاصول الاميريكية يعني ان تغيرا محدودا في نسب التحوط يمكن ان يقود الى تدفقات كبيرة في سوق الصرف الاجنبي”.
وتعد اليابان اكبر حائز اجنبي لسندات الخزانة الامريكية، اذ تستحوذ على نحو 10% من الحيزات الاجنية، بينما تاتي كندا وتايوان ضمن اكبر عشرة حائزين.
لمااذا تراجع المسستثمرون عن التحوط؟
كان تقليص التحوط منطقيا بالنسبة للمستثمرين خلال الجزء الاكبر من العقد الماضي. فالدولار كان يميل الى الارتفاع، او على الاقل الحفاظ على قوته، عندما تتجه الاسواق الى الاضطراب، مما وفر حماية اضافية للمستثمرين الذين يمتلكون اسهما وسندات امريكية.
فعندما تحول قيمة هده الاصول الى العملات المحلية للمستثمرين، كان ارتفاع الدولر يساعد على تخفيف الخسائر الناتجة عن انخفاض اسعار الاصول. وفي الوقت نفسه، كانت تكلفة التحوط مرتفعة، مما قلل الحافز لدى المستثمرين لدفع المزيد مقابل حماية لم يكونو يرون حاجة ملحة اليها.
لكن ركيزتين اساسيتين دعمتا هده الاستراتيجية بداتا تتعرضان للاختبار الان: ارتفاع تكلفة التحوط، ومكانة الدولار كملاذ امن.
الدولار يضعف.. وتكلفة التحوط تتراجع
تراجع الدولار بنحو 2.3% خلال الربع الحالي، كما انخفض امام معظم عملات مجموعة العشرين، في الوقت الذي يعيد فيه المستثمرون احياء ما يعرف ب “رهان تاكل قيمة العملة” (The Debasement Trade)، اي الاعتقاد بان السياسات الامريكية قد تؤدي الى تراجع قيمة الدولار على المدى الطويل.
يذكر ان رهان تاكل قيمة العملة (The Debasement Trade) هو استراتيجية استثمارية تقوم على شراء اصول ملموسة او محدودة المعروض لحماية الثروة من انخفاض القوة الشراائية للعملات النقدية، والناتج عن التضخم المرتفع وطباعة النقود المفرطة وتراكم الديون الحكومية.
وفي الوقت نفسه، بدأت تكلفة التحوط من الدولار في الانخفاض، مما يجع حماية المحافظ من تقلبات العملة اكثر جاذبية. وانخفضت تكلفة التحوط من الدولار لمدة ثلاثة اشهر للمستثمرين الذين تعتمد استثماراتهم على الين الى 2.75%، وهو ادنى مستوى في اربع سنوات، مقارنة بذروة بلغت 6% في اكتوبر 2023.
اما بالنسبة للمستثمرين الذين تعتمد استثماراتهم على اليورو، فتراجعت التكلفة الى 1.32%، وهو ادنى مستوى في عامين. وهنا تكمن المفارقة: العامل الذي كان يدفع المستثمرين الى عدم التحوط بدا يتراجع، بينما تتزايد في المقابل الاسباب التي قد تدفعهم الى التحوط.
حرب ايران تضيف عاملا جديدا
وتاتي هذه التحولات في وقت تضيف فيه الحرب في ايران وارتفاع اسعار الطاقة ضغوطا جديدة على التضخم. ويدفع ذلك البنوك المركزية حول العالم نحو اسعار فائدة اعلى، مما يؤدي الى تضييق الفارق مع الولايات المتحدة، ويضعف احدى الركائز التي دعمت جاذبية الدولار خلال السنوات الماضية.
في المقابل، اصبح مسار اسعار الفائدة الاميركية اقل وضوحا. فقد عزز تعهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، خلال اجتماعات جاكسون هول، بكبح ضغوط الاسعار، التوقعات بزيادات في اسعار الفائدة. لكن المستثمرين ياخذون في الاعتبار ايضا ضغوط ادارة الرئيس دونالد ترامب للابقاء على تكاليف الاقتراض تحت السيطرة، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وقال ناثان ثوف، كبير مسؤولي الاستثمار في فريق حلول الاصول المتعددة لدى Manulife Investment Management، انه اذا واصلت الاسواق تقليص توقعاتها لرفع الفائدة الاميركية وتقلصت فروق اسعار الفائدة، فقد يبدا المستثمرون في اعادة بناء تحوطاتهم. واضاف ان ذلك سيخلق مصدرا مستمرا لضغوط بيع الدولار.
هل يفقد الدولار مكانته كملاذ امن؟
لا يتعلق الامر بفروق اسعار الفائدة وحدها. فقد بدات مكانة الدولار كاداة دفاعية اثناء فترات اضطراب الاسواق تتعرض للاختبار ايضا.
وقال ستيوارت سيمونز، رئيس حلول الاصول المتعددة في شكرة QIC الاسترالية لادارة الاموال، لوكالة بلومبرغ نيوز، ان الاعتماد على سلة من العملات الاجنية يكون الدولار ممثلا بنحو 70% منها كاداة دفاعية قد لا ينجح بالضرورة في المستقبل.
واضاف ان ارتفاع حالعة عدم اليقين الجيوسياسي يثير سوالا اساسيا: هل يمكن للمستثمرين ان يظلوا واثقين من ان الدولار سيكون دايما الاداة الرئيسية للتحوط خلال فترات التوت؟
ويرى سيمونز ان المستثمرين ينبغي ان ينظروا الى البدائل وان يحققوا قد ارا اكبر من التنويع داخل محافظ العملات الاجنبية.
كما تتعرض قوة الدولار نفسها للاختبار بفعل تحركات السلطات الاميركية واليابانية. فخطة وزارة الخزانة الاميركية لزيادة مشترياتها من الديون طويلة الاجل بهدف احتواء تكاليف الاقتراض، الى جانب التدخل المنسق بين الولايات المتحدة واليابان لدعم الين، اثارت مخاوف بشان استعداد السلطات لدعم الاسواق والعملات الاخرى حتى لو كان ذلك على حساب الدولار.
وقال نورالدين الحموري، كبير استراتيجيي الاسواق في Equiti Group في دبي، ان تراجع ثقة المستثمرين في قدرة الدولار على الارتفاع بشكل موثوق خلال فترات التوتر في الاسواق قد يدفعهم الى تقليص انكشافهم غير المحوط على العملة الاميركية.
التحوط قد يتحول من استراتيجية ثانوية الى ضرورة
كان الطلب على التحوط قد شهد تحولا حادا من قبل. ففي العام الماضي، تجاوزت التدفقات الى صناديق المؤشرات المتداولة التي تتحوط من الدولار وتستثمر في الاصول الاميركية التدفقات الى الصناديق غير المحوطة، وذلك للمرة الاولى خلال هذا العقد، وفق بيانات من دويتشه بنك (Deutsche Bank).
لكن بعد ان هدات موجة التحوط، عاد المستثمرون الى مستويات اقل من الحماية. والان بدات المعادلة تتغير مجددا. فاذا استمر الدولار في التراجع، او اتسع نطاق تقلباته، فقد تجد صناديق التقاعد وشركات التامين نفسها مضطرة الى زيادة التحوط، ليس بهدف المضاربة على الدولار، بل لحماية قيم اصولها بالعملات المحلية. وهنا قد تتحول زيادة التحوط من خيار استثماري الى اجراء لادارة المخاطر.
اليابان.. نقطة التحول المحتملة
قد تكون اليابان السوق الاكثر اهمية في هذه المعادلة، نظرا الى حجم حيازاتها من الاصول الاميركية.
وتظهر تقديرات دويتشه بنك ان المستثمرين اليابانيين قاموا بالتحوط لنحو 41% من مشترياتهم الجديدة من السندات الاجنبية خلال النصف الاول من العام، مقارنة بـ62% في 2024. وقال شوكي اوموري، كبير استراتيجيي الدخل الثابت في البنك لليابان، ان اخر مرة كانت فيها مستويات التحوط منخفضة بهذا الشكل كانت في 2013، عندما كان الدولار في بداية موجة صعود استمرت عشر سنوات.
ويرى اوموري ان الصورة الاقتصادية الكلية اليوم تبدو اقرب الى الاتجاه المعاكس. ويحدد ثلاثة عوامل قد تدفع المستثمرين اليابانيين الى زيادة التحوط من الدولار. اولا، مزيد من رفع اسعار الفائدة من بنك اليابان، وهو ما سيؤدي الى تضييق فارق اسعار الفائدة مع الولايات المتحدة. ثانيا، حدوث هبوط حاد في الدولار، ما قد يؤدي الى تعميق الخسائر ويدفع لجان ادارة المخاطر لدى المستثمرين الى زيادة مستويات الحماية. ثالثا، تطبيق نظام جديد للملاءة المالية قد يجعل شركات التامين اقل استعدادا لتحمل تقلبات العملات.
اليورو قد يكون المستفيد الاكبر
من جانبه، حذر اريك نيلسون، الاستراتيجي في ويلز فارغو (Wells Fargo)، من التعامل مع التحوط باعتباره محركا اساسيا للدولار، مشيرا الى ان السياسة النقدية ستظل العامل المهيمن على المدى الطويل. لكنه يرى في الوقت نفسه مجالا امام المستثمرين لزيادة تحوطاتهم من الدولار مع انخفاض تكلفة الرهان على تراجع العملة.
ويتوقع نيلسون ان يكون اليورو احد ابرز المستفيدين، نظرا الى ضخامة مشتريات الصناديق الاوروبية غير المحوطة من الاسهم الاميركية. وقال ان اي مؤشرات على ضعف الدولار خلال فترات العزوف عن المخاطرة قد تؤدي الى تحول سريع في سلوك المستثمرين تجاه التحوط من مخاطر العملات، وهو ما قد يسرع هبوط الدولار.
الخطر ليس في هروب المستثمرين.. بل في تغيير سلوكهم
لا يحتاج الدولار الى موجة هروب جماعية من الاسهم والسندات الاميركية حتى يتعرض لضغوط كبيرة. فمع وجود تريليونات الدولارات من الاصول الاميركية في ايدي المستثمرين الاجانب، قد يكون تغيير صغير في نسب التحوط كافيا لاطلاق مئات المليارات من الدولارات في سوق العملات.
ومع تراجع تكلفة التحوط، وارتفاع المخاوف بشان التضخم واسعار الفائدة، وتزايد الشكوك حول قدرة الدولار على الاحتفاظ بدوره كملاذ امن، تبدو الارضية مهياة امام المستثمرين لاعادة النظر في حجم الانكشاف غير المحوط على العملة الاميركية. وقد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة هو ما اذا كان المستثمرون سيبيعون الاصول الاميركية، بل كم من الدولارات سيبيعونها للتحوط من مخاطر الاحتفاظ بتلك الاصول.
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
