تعزيز التعاون بين بيرو ودول الخليج: آفاق اقتصادية وثقافية

تعزيز التعاون بين بيرو ودول الخليج: آفاق اقتصادية وثقافية

تستحوذ دول الخليج العربي على نحو ثلث الإنتاج العالمي للنفط، وإلى جانب هذا الدور المحوري في قطاع الطاقة، تتمتع بموقع جغرافي يمنحها نفوذاً خاصاً؛ فقبل النزاع الحالي كان ما يقرب من عشرين في المائة من النفط العالمي وخمسة وعشرين في المائة من الغاز الطبيعي المسال يمران عبر مضيق هرمز، بينما يمر نحو اثني عشر في المائة من التجارة العالمية عبر مضيق باب المندب. هذا الموقع أعطى الدول المطلة على هذه الممرات قدرة على إدارة الشؤون الاقتصادية والأمنية بنفوذ مميز.

الموقع الاستراتيجي للخليج وتأثيره الاقتصادي

وينعكس هذا النفوذ في مؤشرات التنمية التي حققتها المنطقة؛ فتصنف قطر ضمن الدول الاثنتي عشرة الأعلى عالمياً من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للبنك الدولي لعام 2026، والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون تقع ضمن فئة «التنمية البشرية المرتفعة جداً» وفق مؤشر التنمية البشرية، ما يعكس أن التحول في المنطقة لم يقتصر على تراكم الثروة بل شمل تحسين مستويات المعيشة وتوفير ظروف حياة ملائمة للمواطنين.

رؤى التنمية والشراكة مع بيرو

وقد وضعت الدول الخليجية الست رؤى وطنية تمتد حتى عام 2030، مما يدفع إلى تجاوز الصور النمطية التي اختزلت الخليج في كونه مجرد منطقة مصدرة للهيدروكربونات. فقد نجح الخليج في ترسيخ مكانته كفاعل متزايد الأهمية ضمن إطار يُعرف بـ«التعددية الشبكية» (Multiplex).

التعاون الاقتصادي والاستثماري بين بيرو والخليج

ويستند اهتمام بيرو بالحفاظ على آليات الحوار والتعاون مع دول الخليج إلى ضرورة وجود أطر قانونية واضحة تشمل مذكرات التفاهم والمعاهدات والاتفاقيات المشتركة بين المؤسسات، ما يوفر أساساً رسمياً لمنصات التواصل والتعاون. وعلى الرغم من النتائج الإيجابية التي تحققت حتى الآن، فقد بلغ التقارب بين بيرو ودول الخليج أعمق مستوياته في المجال الاقتصادي، لا سيما في تعزيز الترابط مع التركيز على التجارة والاستثمار والأمن الغذائي. هناك تكامل طبيعي بين اقتصادَي الجانبين؛ فدول مجلس التعاون تستورد نحو خمسة وثمانين في المائة من الأغذية التي تستهلكها بينما تمتلك بيرو قطاعاً زراعياً تصديرياً متطوراً ومتنامياً، ما يجعل الطلب الخليجي فرصة سوقية واضحة للمنتجات البيروفية.

وفي هذا السياق، تكتسب استراتيجية بيرو الرامية إلى توسيع حضورها التجاري في الخليج أهمية خاصة؛ فتنويع وجهات التصدير يحد من مخاطر الاعتماد على أسواق بعينها ويفتح المجال أمام الاستفادة من مصادر جديدة للطلب. كما أن الاعتماد الكبير لدول الخليج على واردات الأغذية يوفر لبيرو فرصة ملموسة لزيادة حصتها في هذه الأسواق والوصول إلى أسواق جديدة، في وقت تتسم فيه البيئة الاقتصادية الدولية بتزايد القيود التجارية وتراجع مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر.

ويتمثل بعد آخر في استقطاب الاستثمارات من صناديق الثروة السيادية الخليجية التي تعد من بين الأكبر في العالم؛ فهذه الصناديق تدير مجتمعة أصولاً تُقدَّر بأكثر من ستة تريليونات دولار أمريكي، أي ما يقرب من أربعين في المائة من إجمالي الأصول التي تديرها صناديق الثروة السيادية عالمياً. ومن أبرزها: الهيئة العامة للاستثمار في دولة الكويت، صندوق الاستثمارات العامة في السعودية، جهاز أبوظبي للاستثمار في الإمارات، وجهاز قطر للاستثمار.

ويتيح الاهتمام المتزايد لهذه الصناديق بالاقتصادات النامية فرصة أمام بيرو لترسيخ مكانتها كوجهة استثمارية موثوقة وجاذبة؛ ففي السنوات الأخيرة استحوذت صناديق الثروة السيادية الخليجية على نحو ثلثي الاستثمارات التي نفذتها هذه الكيانات على مستوى العالم، ومن المتوقع أن تحتفظ منطقة الخليج بموقعها كمركز ثقل في التوسع العالمي للاستثمار السيادي بفضل حجم الأصول التي تحشدها والتطور المتزايد في قدراتها الاستثمارية.

المبادرات الثقافية والأكاديمية لتعزيز العلاقات

وانطلاقاً من قناعة راسخة بأن البعد الإنساني يمثل عنصراً أساسياً في علاقة بيرو بدول الخليج، تعمل وزارة الخارجية البيروفية على تعزيز مبادرات الدبلوماسية العامة والثقافية. من بين هذه المبادرات إطلاق النشرة الثقافية «أصوات» في أكتوبر 2025، والتي صُممت لتكون منصة تسلط الضوء على الروابط التاريخية بين الجانبين، بما في ذلك الإرث العربي-الموريسكي الذي وصل إلى بيرو عبر الحقبة الاستعمارية الإسبانية، إلى جانب الفرص المتاحة لتعميق التعاون الثنائي.

وفي السياق ذاته، وضمن سلسلة المنشورات الدبلوماسية البيروفية «تخليد العلاقات الثنائية»، صدرت مجموعة من الكتب التذكارية بهدف الحفاظ على تاريخ علاقات بيرو مع دول الخليج وتوثيقه ونشره منها «بيرو والكويت: نصف قرن من الصداقة والتعاون».

واستكمالاً لهذه المبادرات، أُنشئ «مركز دراسات الخليج العربي» في جامعة نوربرت وينر ليكون أول مركز أكاديمي في بيرو متخصصاً في هذه المنطقة من العالم، بهدف إنتاج المعرفة وتعزيز التواصل والتعاون بين الأوساط الأكاديمية في المنطقتين.

الآفاق المستقبلية والقرار السياسي

واليوم، أصبحت دول الخليج قوى ذات حضور وامتداد عالمي؛ فهي تضطلع بدور متزايد النشاط في مجالي التجارة والتمويل الدوليين، وتمتلك قدرة متنامية على حشد الموارد وتعزيز قوتها الناعمة. وقد أسهم التحول الاقتصادي الذي شهدته هذه الدول واتساع حضورها الدولي في توسيع آفاق التعاون أمام دول مثل بيرو، ولا سيما في مجالي التجارة والاستثمار، حيث توجد إمكانات كبيرة للاستفادة من أوجه التكامل بين الاقتصادين ومن تنامي توجه دول الخليج نحو تنويع استثماراتها في الأسواق الناشئة.

ومن ثم، فإن الاستفادة من هذه البيئة الواعدة تتطلب قراراً سياسياً على أعلى المستويات، بما يضمن استمرار الجهود الدبلوماسية التي بُذلت حتى الآن وتعزيزها.

• بقلم السفير خورخي رافّو / الأمين العام لوزارة الخارجية في بيرو

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك