سُلطانة-'السلطنة'…-ظفار-تزهو-بخريفها

سُلطانة 'السلطنة'… ظفار تزهو بخريفها

رحلة إعلامية كويتية توثق سحر الجبال ورذاذ المطر

سلطنة عمان – ظفار- محمد غانم

يا ظفار الخير يا ريح الصبا . . يا عبيراً فاح في كل الدنا

حين تهب نسائم الجنوب وتتماوج السحب برذاذ المطر، تكشف ظفار عن وجهها الأبهى في موسمها الاستثنائي، خريف ظفار 2025. هناك، حيث يلتقي البحر بالجبل، وتغني الطبيعة لحنها الأزلي، لبّت جريدة “السياسة” دعوة كريمة من وزارة التراث والسياحة العُمانية، بالتعاون مع سفارة سلطنة عمان في الكويت، لتنضم إلى وفد إعلامي كويتي يمثل كوكبة من أبرز وسائل الإعلام، بهدف نقل تفاصيل هذه التجربة الفريدة إلى القارئ، رحلة تأسر الحواس وتغني الروح.

ظفار اليوم ليست فقط وجهة سياحية تزدان بجمال طبيعتها وثراء تاريخها، بل انعكاس حيّ للنهضة العصرية التي تشهدها سلطنة عمان بقيادة السلطان هيثم بن طارق الذي يواصل مسيرة البناء والتحديث في مختلف المجالات، وفي مقدمتها قطاع السياحة الذي جعل من عمان محطة عالمية لعشاق الطبيعة والتراث معاً.

في السابع عشر من أغسطس، حط الوفد رحاله في مطار صلالة. لحظة الخروج من بوابة المطار بدت مختلفة؛ الهواء العليل الممزوج برائحة المطر كان أول ترحيب من ظفار لضيوفها. لم يكن الأمر مجرد رحلة عمل، بل وعد بمغامرة استثنائية في أحضان الطبيعة والتاريخ. بعد يوم الوصول والاستقبال والمبيت، استعد الوفد لبرنامج حافل بالزيارات والجولات التي تكشف عن هوية ظفار وكنوزها.

وادي دربات… لوحة الطبيعة المفتوحة

مع إشراقة اليوم الثاني، انطلقت الحافلة تقل الوفد نحو وادي دربات، إحدى أيقونات الجمال في ظفار. الطريق المؤدي إلى الوادي كان نفسه تحفة بصرية؛ خضرة ممتدة على مدّ البصر، وأشجار متناثرة تتراقص مع الريح، فيما تتدلى السحب المنخفضة لتلامس قمم الجبال.

عند الوصول، كان المشهد يأسر الأنفاس: شلالات تنحدر برفق من بين الصخور وكأنها خيوط فضية، وبحيرة عذبة تتلألأ تحت أشعة شمس خجولة خلف الغيوم. جلس أعضاء الوفد على ضفاف البحيرة، والتقطوا صورا توثق لحظات يصعب أن تتكرر. في ذلك المكان، بدا كل شيء متناغما؛ صوت الماء، رائحة الأرض المبتلة، وخفق القلوب التي شعرت أن الطبيعة هنا تتحدث بلغة الجمال وحدها.

متحف ظفار… ذاكرة بيت عريق

شملت الجولة زيارة متحف ظفار الخاص، ذلك المكان الذي يحفظ ذاكرة المنطقة بين جدرانه. تأسس عام 2013 على يد الشيخ محمد بن عبدالمحسن سالم السيل الغساني، الذي بدأ منذ خمسينات القرن الماضي بجمع مقتنيات نادرة تعكس تفاصيل الحياة العُمانية في أزمنتها المختلفة. ومع تراكم هذه الكنوز، تحولت مبادرته الشخصية إلى متحف متكامل عام 2015، ليصبح وجهة ثقافية فريدة في صلالة. داخل المتحف، تتناثر شواهد الماضي في قاعات مرتبة بعناية؛ أدوات زراعية تقليدية، مشغولات يدوية، مقتنيات منزلية قديمة، وصور توثق وجوه الناس وملامح الحياة كما كانت. هنا لا تجد مجرد معروضات صامتة، بل مشاهد نابضة تحكي حكايات أجيال عاشت على هذه الأرض، ليشعر الزائر أنه يسير في ممر زمني يعود به إلى عقود خلت، حيث البساطة والهوية المتجذرة في تفاصيل المكان.

أرض اللبان… إرث عالمي لا يبهت

ومن ذاكرة البيت إلى ذاكرة وطن، كان التوقف التالي في متحف أرض اللبان، الذي يمثل ذاكرة عمان الممتدة عبر آلاف السنين. يقع هذا الصرح في قلب ظفار، ويحمل اعترافاً عالمياً بقيمته، إذ أدرجته منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي باعتباره موطن شجرة اللبان ومركزا لتجارته التي شكّلت جزءا مهما من التاريخ الإنساني.

عند دخول المتحف، يلفت انتباه الزائر مزيج الماضي والحاضر؛ في القاعة الأولى تُعرض شواهد أثرية تحكي قصص حضارات ازدهرت على أرض عمان، بينما تقف نماذج السفن العُمانية في القاعة الثانية شاهدة على براعة العمانيين في الإبحار وربط الشرق بالغرب. لا يقتصر الأمر على عرض القطع الأثرية فحسب، بل يقدم المتحف رحلة متكاملة في الزمن، تبدأ من عصور تجارة اللبان القديمة وصولا إلى النهضة العصرية التي انطلقت عام 1970 بقيادة السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه .

هنا، يشعر الزائر أن اللبان لم يكن مجرد سلعة، بل رمزا لهوية ثقافية وحضارية لا تزال تفوح عبيرها حتى اليوم، مثلما تفوح رائحته في أروقة المتحف، شاهدة على تاريخ طويل من التواصل الإنساني والتبادل الثقافي الذي ميز عمان عبر العصور.

حصن طاقة

ومن بين المحطات التي تركت أثرها في ذاكرة الرحلة، كان حصن طاقة، الصرح التراثي العريق الذي يقف شامخاً في قلب مدينة طاقة، على بُعد 33 كيلومترا من صلالة. يعود تاريخ هذا الحصن – بحسب بعض المصادر – إلى القرن التاسع عشر، حين شُيّد كمبنى أهلي قبل أن ينتقل إلى ملكية الدولة في عهد السلطان سعيد بن تيمور بن فيصل آل سعيد. يأسرك الحصن منذ الوهلة الأولى بطرازه العربي الإسلامي؛ جدران حجرية متينة، أبراج دفاعية شامخة، وزخارف تقليدية تزين ممراته الداخلية. وبين أروقته، تلمح تقسيمات دقيقة لغرف إدارية وعسكرية، ومخابئ ومداخل سرية، تعكس حنكة العمانيين في بناء القلاع والحصون التي شكلت حصون أمان لمدنهم عبر التاريخ.

ولم تكن الرحلة إلى طاقة لتكتمل دون المرور بـ عقبة حشير، حيث الطبيعة تكشف عن واحدة من أغرب ظواهرها. على الطريق الجبلي هناك، تتوقف الحافلة قليلًا، يضع السائق ناقل الحركة في وضع التوقف، لتبدأ السيارة بالصعود وحدها نحو التلة دون أي قوة دفع! يطلقون عليها “الجاذبية المغناطيسية”، بينما تراها أنت بعيني الدهشة وكأن الأرض تحمل سراً غامضاً لم تكشفه بعد. وعلى امتداد الطريق، تصافحك أشجار التبلدي – أو كما يسميها العلماء الباوباب – بأشكالها الضخمة الفريدة، بينما تنبعث عين حشير بجانب الطريق كنبع حياة في أحضان الطبيعة. تجربة تجمع بين متعة الاكتشاف وسحر المكان، وتبقى واحدة من اللحظات التي لا تُنسى في خريف ظفار.

مرباط… حصن يروي حكايات المجد

من الطبيعة إلى التاريخ، توجهت الرحلة إلى مدينة مرباط، حيث يقف حصن مرباط شامخاً عند المدخل الغربي للمدينة، مطلاً على الميناء والسوق القديم. جدرانه الحجرية الصامتة تحمل في طياتها حكايات عن زمن كان الدفاع عن الأرض شرفا وحياة. ورغم غياب توثيق دقيق لتاريخ بنائه، إلا أن الرحالة “مايلز” ذكره في كتابه الخليج بلدانه وقبائله عقب زيارته مرباط عام 1884، مشيرا إلى القلعة المجاورة التي كانت لمحمد بن عقيل السقاف، وإلى استقبال قائد الحصن له في ذلك الوقت. شهد الحصن عمليات ترميم متعاقبة؛ ففي ثلاثينيات القرن الماضي أمر السلطان سعيد بن تيمور بإعادة بنائه بعد أن تعرضت بعض أجزائه للانهيار، ليستعيد الحصن قوته من جديد. لكن الطبيعة أرادت اختبار صموده مرة أخرى حين ضربت المنطقة أمطار غزيرة عام 1948 فتضررت أجزاء منه، قبل أن يُعاد ترميمه بالكامل عام 1992 على يد وزارة التراث القومي والثقافة آنذاك، وباستخدام المواد المحلية نفسها التي شُيد بها أول مرة.

عودة الماضي…

ومن أجمل محطات الرحلة كانت فعالية “عودة الماضي”، التي أطلقتها بلدية ظفار ضمن فعاليات موسم خريف ظفار 2025 في منطقة السعادة. هناك، بدا التراث وكأنه يستيقظ من سباته ليعيش في حاضر نابض؛ أجواء تنبض بالأصالة، وأسواق تقليدية تفوح منها رائحة التوابل واللبان، وحرفيون مهرة يعرضون مشغولات يدوية ومنتجات صنعت بأيدٍ عمانية خالصة.

الفعالية التي انطلقت منذ العاشر من يوليو وتستمر حتى الحادي والثلاثين من أغسطس، قدّمت للزوار تجربة ثقافية متكاملة، جمعت بين البيئات الظفارية الثلاث – الحضرية والريفية والبدوية – في محاكاة حقيقية لأساليب الحياة القديمة. لم يكن الأمر مجرد عرض للتراث، بل رحلة عاطفية تربط الأجيال بجذورها، وتجعل الماضي جسراً متيناً إلى الحاضر. في كل زاوية، كان الزائر يلمس روح المكان، من الأكلات الشعبية التي تعبق بروائح المطبخ العماني إلى الأصوات التقليدية التي تحيي ذاكرة المكان والإنسان معاً.

شكر وعرفان

مع ختام الرحلة، حمل الوفد الإعلامي الكويتي تقديراً عميقاً لكل من أسهم في إنجاح هذه التجربة. فقد توجهت “جريدة السياسة” بخالص الشكر لسفارة سلطنة عمان في الكويت وكافة العاملين فيها على تسهيل إجراءات السفر ومساندة مهمة الوفد، كما امتد الشكر لوزارة التراث والسياحة العُمانية واللجنة المنظمة للجولة، مع تقدير خاص لنائب سفير سلطنة عمان لدى الكويت المستشار شهاب الرواس، ومدير عام التراث والسياحة في محافظة ظفار طلال بن حميد الحصيبي، ورئيس قسم العلاقات العامة والإعلام بالوزارة هيثم بن علي تبوك، الذين بذلوا جهوداً مشهودة لضمان نجاح الزيارة وتقديم صورة مشرقة لعُمان أمام ضيوفها.

الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *