سيف الإسلام القذافي وتجربة الحوارات المعلقة بين القوميين والإسلاميين واليساريين
يقدّم الكاتب والإعلامي التونسي كمال بن يونس في هذا التحقيق الخاص لـ”عربي21″ قراءة معمّقة لتجربة سيف الإسلام القذافي، الابن الأكبر للزعيم الليبي الراحل، بوصفها إحدى محطات المراجعات الفكرية والسياسية في ليبيا والمنطقة العربية.
النص يندرج ضمن البحث في ملفات المراجعات الضرورية لدى التيارات المختلفة، سواء العروبيين أو الإسلاميين أو اليساريين، ويستعرض كيف حاول سيف الإسلام، منذ بداياته كطالب في بريطانيا، الموازنة بين إرث النظام القومي الليبي، والدفع باتجاه الإصلاح من الداخل، وفتح قنوات للحوار مع خصوم النظام خارج البلاد، في محاولة لتقديم مشروع “ليبيا الغد” كخيار إصلاحي ومؤسسي يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الحداثة.
وفي هذا الإطار، يؤكد التقرير كيف أن اغتيال سيف الإسلام وإقصاؤه النهائي عن المشهد السياسي الليبي لم يكن مجرد حدث أمني أو سياسي، بل استبعاد لمشروع إصلاحي حاول التوفيق بين القوميين والإسلاميين و”الحداثيين”، ووقف عمليًا مسار المراجعات الفكرية التي كانت محل نقاش حاد بين النخب العربية والعالمية.
النص يعكس بذلك أهمية إعادة النظر في تجارب الإصلاح الداخلي للمؤسسات وأنماط الحكم، ويدعو إلى استخلاص الدروس حول جدوى الحوارات الفكرية والسياسية التي توقفت قبل أن تُختبر نتائجها بشكل كامل.
هكذا عرفته
عرفت سيف الإسلام القذافي عن قرب في فندق هلتون في العاصمة اليونانية أثينا في صائفة 2003 .. كانت المناسبة مؤتمر ا علميا دوليا نظمه في أثينا مركز الدراسات الجيو استراتيجية في جامعة بركلي الأمريكية وعدد من شركائه الأوروبيين ضمن سلسلة لقاءات دورية يشارك فيها أكاديميون وسياسيون مدنيون وعسكريون وإعلاميون وصناع قرار من العالم أجمع، وخاصة من أمريكا والعالم العربي الإسلامي.
دعا المنظمون سيف الإسلام، وكان وقتها طالبا في جامعة بريطانية ، ليكون “ضيف شرف” في جلسة حوارية مفتوحة “وغير رسمية” شارك فيها أكثر من مائة من المشاركين الدائمين في “ندوات مركز دراسات جامعة بركلي” وكنت من بينهم، طوال حوالي عشرين عاما ..
من هنا بدأ المشوار
وكانت تلك الجلسة الحوارية بين سيف الإسلام القذافي ونخبة من صناع القرار في المنطقة والعالم “المنعرج” الذي مهد لتطبيع شبه كامل بين العواصم الغربية والإقليمية مع النظام الليبي وزعيمه “القومي العربي” و”الأفريقي” و”الأممي” معمر القذافي..
شكّلت الفترة التي برز فيها سيف الإسلام القذافي لحظة مفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، حيث تزامنت مع تحولات إقليمية ودولية، ومحاولات لإعادة إدماج البلاد في المجتمع الدولي. وبين مشروع “ليبيا الغد”، والنشاط الخيري، ومحاولات الحوار مع المعارضين، بدا أن هناك سعيًا لرسم مسار مختلف، ولو بشكل تدريجي.
وكان الخطاب صريحا مع سيف الاسلام “ولي العهد المتوقع”؛ ليس بصفته مجرد “طالب ليبي شاب في لندن” مثلما قدم نفسه؛ بل باعتبار الابن الأكبر للزعيم “القومي المصري” الذي تطور إلى “زعيم وحدوي إفريقي” مثير الجدل بعد أن تراجع عن بعض مواقفه “العروبية الإسلامية” وتوجه نحو إفريقيا وقدم مبادرة عن فلسطين، التي سماها “إسراطين” (أي دولة واحدة تشمل الفلسطينيبن ويهود إسرائيل).
وبعد أسابيع من حوار صحفي أجريته في أمريكا لـ “بي بي سي” وصحيفة الصباح التونسية مع مساعد وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز (الذي سوف يصبح لاحقا مدير عام السي أي آبه) اتهم فيها القذافي بالإرهاب، وجدتني التقي في مقر السفارة الأميركية بتونس وليام بيرنز وأعضاء من الكنغرس الأمريكي بعد عودتهم من طرابلس حيث التقوا القذافي الأب وأبناءه وأبرز مساعديه وأبرموا معهم اتفاقات استراتيجية للمصالحة ورفع العقوبات .
حوارات في أثينا وبعده
وتبين أن سيف الإسلام والوفد المرافق له في مؤسسته “الخيرية الإسلامية العالمية” دشّنوا بعد لقائنا في فندق هيلتون في أثينا مفاوضات بدات في “جناحه الخاص” في الفندق، أسفرت بعد أقل من ستة اشهر عن الاتفاق التاريخيّ بين سلطات طرابلس ولندن وواشنطن وباريس على غلق ملفات لوكربي وبقية “شبهات التفجيرات” التي كانت القيادة الليبية اتهمت بها قبل 15 عاما .
وفي العاصمة الليبية ثم في تونس التقيت بعد ذلك مرارا القذافي الأب وسيف الاسلام القذافي ومقربين منهما، بينهم عدد من رؤساء الحكومات والوزراء والسياسيين المستقلين والمعارضين.. ففهمت أن أغلب “صناع القرار” في ليبيا وخارجها كانوا يراهنون وقتها على “إصلاح من داخل النظام والدولة ” يلعب فيه سيف الاسلام القذافي ومشاريعه “الخيرية العالمية” و”ليبيا الغد” دورا كبيرا ..
وشاءت الأقدار أن يصعد نجم سيف الإسلام بعد لقاءلت أثينا 2003 ـ 2004 ويلعب طوال العشرية الأخيرة من حكم والده دور “الزعيم الجديد” و”ولي العهد” لمنظومة “وحدوية عروبية” حاول أن يحترم ثوابتها ويقود مسارا لتجديدها من الداخل مع لعب ورقات “التحديث” و”التشبيب” و”الانفتاح على الآخر” داخل البلاد وخارجها.. بما في ذلك على المعارضين وقيادات العواصم العربية التي دخل معها والده في صراعات طويلة ومعقدة منذ قرارات تأمين النفط و غلق القواعد العسكرية الأجنبية..
مشروع “ليبيا الغد”
منذ مطلع الألفية الجديدة، برز اسم سيف الإسلام القذافي كواحد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد السياسي الليبي قبل عام 2011، ليس فقط باعتباره نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بل أيضًا بصفته حاملًا لمشروع إصلاحي طموح حاول تقديم صورة مختلفة عن النظام السياسي القائم آنذاك. وقد ارتبط اسمه بثلاثة مسارات رئيسية شكّلت ملامح دوره: مشروع “ليبيا الغد”، والنشاط عبر مؤسسة خيرية ذات بعد دولي، ومحاولات فتح الحوار مع المعارضين الليبيين المقيمين في أوروبا.
بل لقد نجح سيف الاسلام وفريقه في إعادة مجموعات كبيرة من الخصوم السابقين لمنظومة الحكم في طرابلس و تحقيق مصالحة معهم …بمن فيهم عدد ممن سبق لهم أن انخرطوا في جماعات اسلامية ” راديكالية ” بينها ” الجماعة الاسلامية المقاتلة ” و مجموعات تدرب عدد من عناصرها على حمل السلاح في افغانستان والسودان ..
مشروع “ليبيا الغد”.. محاولة لإعادة تشكيل صورة الدولة
ظهر مشروع “ليبيا الغد”، الذي اقترن باسم التيار الاصلاحي بزعامة سيف الاسلام وفريقه، في منتصف العقد الأول من الألفية الحالية. واعتُبر حينها أحد أبرز محاولات إدخال إصلاحات تدريجية على بنية الدولة الليبية مع “ضوء اخضر من القائد معمر القذافي”، أي من الزعامة التاريخية للنظام ” الوحدوي”
.
لم يكن المشروع برنامجًا سياسيًا تقليديًا بقدر ما كان رؤية متكاملة لتحديث الإدارة والاقتصاد والإعلام، مع السعي إلى تحسين صورة ليبيا خارجيًا بعد سنوات من العزلة الدولية.
ركز المشروع على مفاهيم مثل تطوير المؤسسات، وتشجيع الاستثمار، والانفتاح الإعلامي، وإعادة بناء العلاقة مع المجتمع الدولي. وارتبطت به مبادرات إعلامية جديدة حاولت تقديم خطاب أكثر مرونة وانفتاحًا مقارنة بالخطاب الرسمي التقليدي، ما جعل البعض يرى فيه بداية لتحول محتمل في بنية النظام السياسي.
في تلك الفترة، اعتُبر سيف الإسلام صوتًا يدعو إلى الإصلاح من داخل النظام، حيث تحدث في مناسبات عدة عن الحاجة إلى مكافحة الفساد، وتحديث القوانين، وإيجاد مساحة أكبر لحرية التعبير. غير أن هذا الطرح ظل محل جدل واسع بين من رأى فيه خطوة حقيقية نحو التغيير، ومن اعتبره “مناورة” ومحاولة لإعادة تقديم النظام بواجهة أكثر قبولًا.
الدور الخيري والدبلوماسية الإنسانية
إلى جانب النشاط السياسي والإعلامي، لعب سيف الإسلام دورًا بارزًا من خلال رئاسته لمؤسسة خيرية حملت طابعًا دوليًا.
وقد ساهم هذا الدور في تقديمه كشخصية تتحرك في فضاءات تتجاوز السياسة التقليدية، حيث شاركت المؤسسة في مبادرات إنسانية داخل ليبيا وخارجها، وتدخلت في ملفات معقدة ذات طابع دولي، بينها الانفراج عن مخطوفين واسرى في عدة مواقع في العالم أجمع بما في ذلك في اقصى شرق آسيا..
برزت المؤسسة في جهود الوساطة الإنسانية، والمشاركة في مفاوضات للإفراج عن رهائن في مناطق نزاع، إضافة إلى دعم مشاريع تنموية واجتماعية.
هذا النشاط منح سيف الإسلام حضورًا ملحوظًا في الأوساط الدولية، وساهم في بناء شبكة علاقات مع شخصيات سياسية ومنظمات غير حكومية في أوروبا وأفريقيا.
كما ساعد هذا الدور في رسم صورة مزدوجة له.. سياسي من داخل النظام، وفاعل إنساني يتحدث بلغة الدبلوماسية والحلول السلمية.
وقد اعتبر بعض المراقبين أن العمل الخيري كان وسيلة لتعزيز مكانته الدولية، وتهيئته للعب دور سياسي أكبر مستقبلًا.
الحوار مع المعارضين في المنفى
من أكثر الملفات حساسية التي ارتبطت باسم سيف الإسلام، محاولات فتح قنوات اتصال مع المعارضين الليبيين المقيمين في الخارج، خاصة في أوروبا. ففي تلك الفترة، كانت الساحة الليبية تشهد انقسامًا حادًا بين الداخل والخارج، حيث عاش عدد كبير من المعارضين في المنفى منذ عقود.
وكانت عدة عواصم عربية وإقليمية تحاول توظيف ورقة “اللاجئين السياسيين” الليبيين والعرب لتغيير النظام الليبي وتكريس خطتا لا “تغيير كل أنظمة المنطقة”، خاصة بعد “نجاح “خطة إسقاط نظامي “طالبان” في افغانستان والحكم البعثي بزعامة صدام حسين في العراق.
سعت هذه المبادرات إلى تقليص فجوة الثقة، وتشجيع المعارضين الليبيراليين و”الإسلاميبن المعتدلين” على العودة إلى ليبيا، والمشاركة في ما قُدّم حينها كمرحلة جديدة من الانفتاح السياسي. وقد جرت لقاءات وحوارات غير معلنة وأخرى علنية، حاولت من خلالها أطراف مختلفة اختبار إمكانية المصالحة الوطنية.. وكان سيف الاسلام ” محور هذه المبادرات “.
استقبلت هذه الخطوات بردود فعل متباينة؛ فبينما رحّب بها بعض المعارضين باعتبارها فرصة لطي صفحة الماضي، رفضها آخرون معتبرين أنها لا تمثل تغييرًا جذريًا في طبيعة النظام السياسي. وظل ملف المصالحة أحد أكثر الملفات تعقيدًا، إذ اصطدم بتاريخ طويل من التوتر وعدم الثقة.
صورة “الإصلاحي” والرهانات السياسية
خلال تلك السنوات، تشكلت صورة سيف الإسلام في الداخل والخارج كشخصية إصلاحية محتملة داخل بنية الحكم. فقد بدا، في نظر بعض المتابعين، أكثر انفتاحًا على الغرب، وأكثر قدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة سياسية معاصرة.
وقد تعزز هذا الانطباع من خلال حضوره الإعلامي، ودراساته الأكاديمية، وعلاقاته مع مراكز أبحاث وشخصيات سياسية أوروبية. لذلك، رأت بعض التحليلات أنه قد يكون مرشحًا طبيعيًا لقيادة مرحلة جديدة في ليبيا، تقوم على مزيج من الاستمرارية والتغيير.
في المقابل، اعتبر منتقدوه أن هامش الإصلاح كان محدودًا، وأن أي تغيير حقيقي يتطلب تحولات أعمق في بنية السلطة، وليس مجرد مبادرات سياسية أو إعلامية.
مرحلة مفصلية في تاريخ ليبيا الحديث
شكّلت الفترة التي برز فيها سيف الإسلام القذافي لحظة مفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، حيث تزامنت مع تحولات إقليمية ودولية، ومحاولات لإعادة إدماج البلاد في المجتمع الدولي. وبين مشروع “ليبيا الغد”، والنشاط الخيري، ومحاولات الحوار مع المعارضين، بدا أن هناك سعيًا لرسم مسار مختلف، ولو بشكل تدريجي.
لكن هذه المرحلة انتهت بشكل مفاجئ مع اندلاع أحداث عام 2011، التي غيّرت المشهد الليبي بالكامل، وأعادت بعد تدخل عسكري من الحلف الأطلسي وحروب داخلية دامية رسم موازين القوى، وأوقفت مسارًا كان لا يزال في طور التشكّل.
و رغم الجهود التي بذلها سيف الاسلام وأنصاره خلال الـ 15 عاما التي عقبت سقوط حكم والده آخر 2011 ، ظل تاثيرهم محدودا جدا لعدة أسباب، أهمها الاتهامات الخطيرة الموجهة لهم بالضلوع في قمع “انتفاضات الشعب الليبي” خاصة خلال الأسابيع والأيام الأخيرة التي سبقت اغتيال قوات الحلف الأطلسي للقذافي الأب وسيطرتها على البلاد مباشرة وعبر عدد من “حلفائها” و”وكلائها “.
لم يغفر قطاع عريض من الشعب الليبي وقادة الحلف الأطلسي لـ “الإبن الليبيرالي” للقذافي وقوفه بقوة “ضد التغيير” .
ورغم كل “التنازلات خلال الـ 15 عاما الماضية تمسكت عواصم عربية وإقليمية وقوى مؤثرة داخليا بإقصاء “كل رموز منظومة حكم القذافي”. وجاءت جربمة اغتيال سيف الإسلام في منزل أمن لتؤكد وجود “توافق واسع لطي مرحلة فريق القذافي وعائلته”، خاصة أنها وقعت بعد أيام من تحركات واتفاقيات اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة أبرمها مسؤولون أمريكان وغرببون في طرابلس وبنغازي.
بعد هذا الاغتيال والاستبعاد السياسي لسيف الإسلام القذافي وفريقه، لا يزال تقييم تلك التجربة موضوعًا للنقاش بين الباحثين والمهتمين بالشأن الليبي: هل كانت بداية إصلاح حقيقي لم تكتمل؟ أم محاولة محدودة لم تستطع تجاوز حدود النظام القائم ولم تنجح في القيام بمراجعات جريئة؟
يبقى هذا السؤال مفتوحًا، في ظل تاريخ معقد وتجربة سياسية لم تُمنح الوقت الكافي لاختبار نتائجها بشكل كامل.
حوارات لندن وأثينا وأمريكا
لكن في مجال تاريخ الأفكار والمواقف والمراجعات السياسية والحوارات التي قام بها سياسيون وحدويون عروبيون ويساريون وإسلاميون، من المفيد تعميق التفكير والتقييم للتجارب والحوارات التي خاضها سياسيون ومثقفون ليبيون مع سيف الإسلام القذافي وفريقه من جهة ومعارضوهم السابقون من جهة أخرى، خاصة إن الأمر يتعلق بحوارات ومراجعات أوقفها تغيير المعطيات العسكرية ميدانيا..
قصص سيف الاسلام القذافي في ليبيا وجمال مبارك نجل الرئيس المصري السابق حسني مبارك وصخر الماطري صهر الرئيس التونسي الأسبق بن علي وبشار الأسد في سوريا.. تجمع بينها نقاط عديدة بينها المراجعات الفكرية والسياسية من الداخل ومحاولة “وراثة” الحكم بعد الاحتكاك بالجامعات البريطانية والغربية ومؤسسات صنع القرار فيها ..لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
في كل الحالات كما يسجل تاريخ الحياة الثقافية والسياسة في ليبيا والمنطقة أن سيف الإسلام القذافي وفربقه لعب دورا في فتح قنوات الحوار إلى مرحلة مبكرة من حياته مع معارضيه ومعارضي حكم والده منذ كان طالبًا في لندن.. لا شك أنه فعل ذلك بالتنسبق مع والده، لكنه احتكّ بأوساط أكاديمية وسياسية وإعلامية غربية، وتعرّف عن قرب على شخصيات ليبية معارضة تقيم في أوروبا.
وقد ساهمت تلك المرحلة في تشكيل رؤيته حول أهمية التواصل مع الغرب ومع أطياف المعارضة خارج البلاد. وبعد التفاهمات التي جرت بين ليبيا والولايات المتحدة وفرنسا بشأن قضية لوكربي وتعويضات ضحاياها، إضافة إلى ملفات أخرى حساسة مثل حادثة الطائرة المرتبطة بالنزاع في تشاد، برز سيف الإسلام كأحد الوجوه التي دفعت باتجاه تهدئة التوتر وفتح صفحة جديدة مع العواصم الغربية. وفي تلك الفترة، شارك في لقاءات غير رسمية وحوارات سياسية هدفت إلى تحسين صورة ليبيا دوليًا، وتشجيع مسار المصالحة، وإقناع بعض المعارضين بإمكانية العودة والمشاركة في مرحلة الانفتاح التي كان يُروَّج لها.
معارضة “الصقور” من داخل البيت
في السنوات الأخيرة من حكم معمر القذافي، تعرّض سيف الإسلام لانتقادات متزايدة من داخل الدوائر الأمنية والعسكرية والسياسية القريبة من مركز القرار، حيث كانت بعض هذه الأطراف تنظر بعين الريبة إلى خطابه الإصلاحي وانفتاحه على المعارضين والمثقفين وخريجي الجامعات الغربية والعربية. وقد سعت هذه المنظومة، بحسب ما تداوله مراقبون في تلك المرحلة، إلى الحد من نفوذه ودعم أدوار بعض إخوته الذين كانوا يُنظر إليهم على أنهم أكثر قربًا من المؤسسة الأمنية وأقل انفتاحًا على مشاريع التغيير السياسي.
وفي هذا السياق، برز اسم شقيقه معتصم القذافي، الذي أُسندت إليه مهام سياسية وأمنية ودبلوماسية، وتطوّر دوره ليصبح أحد الوجوه التي تتواصل مع صناع القرار في الغرب، خصوصًا في الملفات ذات الطابع الأمني والعسكري. ومع مرور الوقت، بدا وكأن معتصم يُقدَّم كمنافس بارز لسيف الإسلام في موقع “الخليفة المحتمل”، حيث ظهر في موقع قريب من دوائر النفوذ العسكري، وأدى أدوارًا أشبه بمستشار للأمن القومي أو منسق عام بين الأجهزة الأمنية والعسكرية. وقد شبّه بعض المتابعين هذا الدور بنماذج إقليمية معروفة في أواخر عهود أنظمة الحكم العربية، حيث برزت شخصيات أمنية ذات نفوذ واسع داخل مراكز القرار السياسي .
قصص سيف الاسلام القذافي في ليبيا وجمال مبارك نجل الرئيس المصري السابق حسني مبارك وصخر الماطري صهر الرئيس التونسي الأسبق بن علي وبشار الأسد في سوريا.. تجمع بينها نقاط عديدة بينها المراجعات الفكرية والسياسية من الداخل ومحاولة “وراثة” الحكم بعد الاحتكاك بالجامعات البريطانية والغربية ومؤسسات صنع القرار فيها ..لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
*أكاديمي وإعلامي تونسي
الكويت بوست ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة الكويتية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.
